هي مقتضى العصبية. فالملك إذا حصل وفرضنا أنّ الواحد انفرد به وصرفه في مذاهب الحق ووجوهه لم يكن في ذلك نكير عليه. (مقد 2، 604، 6)
-إذا استفحلت طبيعة الملك، وحصل لصاحب الدولة الاستبداد على قومه، قبض أيديهم عن الجبايات إلا ما يطيّر لهم بين الناس في سهمانهم، وتقلّ حظوظهم إذ ذاك لقلّة غنائهم في الدولة، بما انكبح من أعنّتهم، وصار الموالي والصنائع مساهمين لهم في القيام بالدولة وتمهيد الأمر؛ فينفرد صاحب الدولة حينئذ بالجباية أو معظمها، ويحتوي على الأموال ويحتجنها للنفقات في مهمات الأحوال، فتكثر ثروته وتمتلئ خزائنه ويتّسع نطاق جاهه، ويعتزّ على سائر قومه، فيعظم حال حاشيته وذويه، من وزير وكاتب وحاجب ومولى وشرطيّ ويتّسع جاههم، ويقتنون الأموال ويتأثّلونها. (مقد 2، 737، 10)
-الكلام في هذه المسألة (مسألة طريق الصوفية) يستدعي تحقيق طريق الصوفية وتمييزها من بين سائر الطرق، وكيف استقرّت عند الصدر الأول منهم في نوع من العبادة والمجاهدة، واختصّت بهذا الاسم ثم صاروا إلى مجاهدات أخرى، وغلب اسم التصوّف عليها وهو المشهور عند الكافّة؛ وكيف استعمله بعض المتأخّرين في نتائج المجاهدات فقط، والردّ عليهم في ذلك. فببيان هذه الاصطلاحات يتّضح الكثير من هذا الغرض؛ واللّه الهادي إلى الصواب.
الكلام في تحقيق طريق المتصوّفة وتميّزه على الجملة من بين طرق الشريعة ومدلول هذا اللقب عند من سلف منهم في الأمة.
اعلم- نور اللّه قلوبنا بالهداية- أن اللّه سبحانه فرض على القلوب عملا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرة عملا من الطاعات؛ فجميع التكاليف الشرعية التي تعبّد بها الإنسان في خاصة نفسه ترجع إلى نوعين: أحكام تتعلّق بالأعمال الظاهرة، وهي أحكام العبادات والعادات والمتناولات؛ وأحكام تتعلّق بالأعمال الباطنة، وهي الإيمان وما يتصرّف في القلب ويتلوّن به من الصفات؛ أما المحمودة كالعفّة، والعدل، والشجاعة، والكرم، والحياء، والصبر؛ وأما المذمومة كالعجب، والرياء، والحسد، والحقد.
وهذا النوع أهمّ من الأول عند الشارع وإن كان الكل مهمّا، لأن الباطن سلطان الظاهر المستولي عليه، وأعمال الباطن مبدأ لأعمال الظاهر، وأعمال الظاهر آثار عنها؛ فإن كان الأصل صالحا كانت الآثار صالحة، وإن كان فاسدا كانت فاسدة.
قال صلى اللّه عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد. ألا وهي القلب» .
(شف، 5، 1)
-طريقة المتصوّفة منحصرة في طريقين: