مكانه عن مكان الكرسي الأول، وتهوي أفئدة الناس إليه من أجل الدولة والسلطان، فينتقل إليه العمران ويخفّ من مصر الكرسيّ الأول، والحضارة إنّما هي توفّر العمران كما قدّمناه، فتنتقص حضارته وتمدّنه، وهو معنى اختلاله. وهذا كما وقع للسلجوقية في عدولهم بكرسيّهم عن بغداد إلى أصبهان، وللعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة، ولبني العباس في العدول عن دمشق إلى بغداد، ولبني مرين بالمغرب في العدول عن مراكش إلى فاس. وبالجملة فاتّخاذ الدولة الكرسي في مصر يخل بعمران الكرسي الأول. (مقد 2، 894، 18)
-إنّ الدولة المتجدّدة إذا غلبت على الدولة السابقة لا بدّ فيها من تتبّع أهل الدولة السابقة وأشياعها بتحويلهم إلى قطر آخر يؤمن فيه غائلتهم على الدولة. وأكثر أهل المصر الكرسيّ أشياع الدولة، إمّا من الحامية الذين نزلوا به أوّل الدولة أو من أعيان المصر، لأنّ لهم في الغالب مخالطة للدولة على طبقاتهم وتنوّع أصنافهم، بل أكثرهم ناشئ في الدولة فهم شيعة لها، وإن لم يكونوا بالشوكة والعصبيّة فهم بالميل والمحبّة والعقيدة. وطبيعة الدولة المتجدّدة محو آثار الدولة السابقة. فتنقلهم من مصر الكرسيّ إلى وطنها المتمكّن في ملكتها، فبعضهم على نوع التغريب والحبس، وبعضهم على نوع الكرامة والتلطّف بحيث لا يؤدي إلى النّفرة، حتى لا يبقى في مصر الكرسيّ إلّا الباعة والهمل من أهل الفلح والعبارة وسواد العامّة، وتنزل مكانهم من حاميتها وأشياعها من يشتدّ به المصر. وإذا ذهب من مصر أعيانه على طبقاتهم نقص ساكنه وهو معنى اختلال عمرانه. ثم لا بدّ من أن يستجد عمران آخر في ظلّ الدولة الجديدة وتحصل فيه حضارة أخرى على قدر الدولة. وإنّما ذلك بمثابة من له بيت على أوصاف مخصوصة فأظهر من قدرته على تغيير تلك الأوصاف وإعادة بنائها على ما يختاره ويقترحه، فيخرب ذلك البيت، ثم يعيد بناءه ثانيا. وقد وقع من ذلك كثير في الأمصار التي هي كراسيّ للملك وشهدناه وعلمناه. (مقد 2، 895، 10)
-أثر الهواء في أخلاق البشر: قد رأينا من خلق السودان على العموم الخفّة والطيش وكثرة الطرب، فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع، موصوفين بالحمق في كل قطر. والسبب الصحيح في ذلك أنّه تقرّر في موضعه من الحكمة أنّ طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه، وطبيعة الحزن بالعكس، وهو انقباضه وتكاثفه، وتقرّر أنّ الحرارة مفشية للهواء والبخار مخلخلة له زائدة في كميته.
ولهذا يجد المنتشي من الفرح والسرور ما لا يعبّر عنه، وذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة الغريزيّة التي تبعثها سورة الخمر في الروح من مزاجه، فيتفشّى