العصبيّة التي هي ثمرة النسب وتعديد الآباء، ولكنّه يطلق عليه حسب وبيت بالمجاز، لعلاقة ما فيه من تعديد الآباء المتعاقبين على طريقة واحدة من الخير ومسالكه؛ وليس حسبا بالحقيقة وعلى الإطلاق؛ وإن ثبت أنّه حقيقة فيهما بالوضع اللغوي فيكون من المشكك الذي هو في بعض مواضعه أولى. (مقد 2، 492، 2)
-من أشدّ الظلمات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأعمال وتسخير الرعايا بغير حق. وذلك أنّ الأعمال من قبيل المتموّلات ... لأنّ الرزق والكسب إنّما هو قيم أعمال أهل العمران. فإذا مساعيهم وأعمالهم كلها متموّلات ومكاسب لهم، بل لا مكاسب لهم سواها؛ فإنّ الرعيّة المعتملين في العمارة إنّما معاشهم ومكاسبهم من اعتمالهم ذلك. فإذا كلّفوا العمل في غير شأنهم واتّخذوا سخريّا في معاشهم بطل كسبهم واغتصبوا قيمة عملهم ذلك، وهو متموّلهم، فدخل عليهم الضرر، وذهب لهم حظّ كبير من معاشهم، بل هو معاشهم بالجملة. وإن تكرّر ذلك أفسد آمالهم في العمارة، وقعدوا من السعي فيها جملة؛ فأدّى ذلك إلى انتقاض العمران وتخريبه. (مقد 2، 745، 7)
-صناعة الغناء مباينة للقرآن (قراءة) بكل وجه. لأن القراءة والأداء تحتاج إلى مقدار من الصوت لتعيين أداء الحروف من حيث إتباع الحركات في موضعها ومقدار المدّ عند من يطلقه أو يقصره وأمثال ذلك؛ والتلحين أيضا يتعيّن له مقدار من الصوت لا يتمّ إلا به من أجل التناسب الذي قلناه (ابن خلدون) في حقيقة التلحين؛ واعتبار أحدهما قد يخلّ بالآخر إذا تعارضا. (مقد 2، 980، 4)
تمدّن
-البدو هم المقتصرون على الضروريّ في أحوالهم، العاجزون عمّا فوقه، وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم. ولا شك أنّ الضروريّ أقدم من الحاجيّ والكمالي وسابق عليه؛ لأنّ الضروريّ أصل والكمالي فرع ناشئ عنه. فالبدو أصل للمدن والحضر وسابق عليهما؛ لأنّ أوّل مطالب الإنسان الضروريّ، ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلّا إذا كان الضروريّ حاصلا. فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة. ولهذا نجد التمدّن غاية للبدوي يجري إليها، وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها. ومتى حصل على الرّياش الذي يحصل له به أحوال الترف وعوائده عاج إلى الدعة، وأمكن نفسه إلى قياد المدينة.
وهكذا شأن القبائل المتبدّية كلّهم.
والحضريّ لا يتشوّف إلى أحوال البادية إلّا لضرورة تدعوه إليها أو لتقصير عن أحوال أهل مدينته. (مقد 2، 473، 14)