كالمنطق داخلا في الحكمة النظرية دون العملية إذ ليس بحثه إلّا عن المعقولات الثانية التي ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا، ومن هذا البحث تعلم كيفيّة العمل الذي هو الفكر إذ ليس يجب من تعلّق العلم بكيفيّة عمل أن يكون ذلك العمل موضوعه كما في الحكمة العملية، وإن اعتبر فيه ذلك القيد كان المنطق خارجا عن القسمين معا كما حقّقته، وثالثها ما ذكر في تقسيم الصناعات من أنها إما عملية أي يتوقّف حصولها على ممارسة العمل أو نظرية أي لا يتوقّف حصولها عليها وعلى هذا يكون علم النحو والفقه والمنطق والحكمة العملية، وذلك القسم من الطب خارجة عن العملية بهذا المعنى إذ لا حاجة في حصولها إلى مزاولة الأعمال بخلاف علوم الخياطة والحياكة والحجامة لتوقّفها على الممارسة والمزاولة. (نور، 22، 14)
-الغاية بحسب وجودها الذهني علّة الوجود ذي الغاية في الخارج، فاللازم من كون الشي ء غاية لنفسه أن يكون وجوده الذهني علّة لوجوده الخارجي ولا محذور فيه. لا يقال هذا إنما يتمّ في الموجودات الخارجية دون العلوم فإنها موجودات ذهنية لكونها صورا عقلية لأنّا نقول إن العلوم قد توجد في الذهن بذواتها كما إذا تعلّمت علما مخصوصا. فإن ذلك العلم حاصل بذاته في الذهن وقد توجد فيه لا بذواتها بل بصورها، كما إذا تصوّرت علما مخصوصا قبل أن تتعلّمه ولا شكّ أن وجوده في الذهن على الوجه الأول مغاير لوجوده فيه على الوجه الثاني، فهو باعتبار الوجود الثاني علّة له باعتبار الوجود الأول ونسبة الثاني إلى الأول كنسبة الوجود الذهني إلى الخارجي. (نور، 23، 8)
-الجزئيات إنما تدرك بالإحساسات إما بالحواس الظاهرة أو الباطنة، وليس الإحساس مما يؤدّي بالنظر إلى إحساس آخر بأن يحسّ بمحسوسات متعدّدة، وترتيب تلك المحسوسات على وجه يؤدّي إلى الإحساس بمحسوس آخر، بل لا بدّ لذلك المحسوسات الآخر من إحساس ابتداء، وذلك ظاهر لمن يراجع وجدانه.
وكذلك ليس ترتيب المحسوسات مؤدّيا إلى إدراك كلّي، وذلك أظهر، فالجزئيات مما لا يقع فيها نظر وفكر أصلا، ولا هي مما يحصل بفكر ونظر، فليست كاسبة ولا مكتسبة، فلا غرض للمنطقي متعلّق بالجزئيات، فلا بحث له عنها، بل لا يبحث عن الجزئيات في العلوم الحكمية أصلا. وذلك لأن المقصود من تلك العلوم تحصيل كمال للنفس الإنسانية التي تبقى ببقائها والجزئيات متغيّرة ومتبدّلة فلا يحصل لها من إدراكها كمال يبقى ببقاء النفس، وأيضا الجزئيات غير منضبطة لكثرتها وعدم انحصارها في عدد لهذا لا تفي قوة الإنسان بتفاصيلها، فلا يبحث إلّا عن الكلّيات، فإن قلت قد ذكره هاهنا الجزئي الحقيقي، وسنذكر الجزئي