هذه الملكة ومقاييسها خاصة. فهو علم بكيفية لا نفس كيفية، فليست نفس الملكة، وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علما، ولا يحكمها عملا.
(مقد 3، 1286، 15)
-في صناعة الغناء: هذه الصناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة يوقع على كل صوت منها توقيعا عند قطعه فيكون نغمة، ثم تؤلّف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متعارفة، فيلذّ سماعها لأجل ذلك التناسب، وما يحدث عنه من الكيفيّة في تلك الأصوات. وذلك أنّه تبيّن في علم الموسيقى أنّ الأصوات تتناسب فيكون:
صوت؛ نصف صوت؛ وربع آخر؛ وخمس آخر؛ وجزءا من أحد عشر من آخر.
واختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع يخرجها من البساطة إلى التركيب، وليس كل تركيب منها ملذوذا عند السماع، بل للملذوذ تراكيب خاصة هي التي حصرها أهل علم الموسيقي، وتكلّموا عليها كما هو مذكور في موضعه. وقد يساوق ذلك التلحين في النغمات الغنائية بتقطيع أصوات أخرى من الجمادات إمّا بالقرع أو بالنفخ في الآلات تتّخذ لذلك، فترى لها لذّة عند السماع. (مقد 2، 976، 6)
-صناعة الغناء مباينة للقرآن (قراءة) بكل وجه. لأن القراءة والأداء تحتاج إلى مقدار من الصوت لتعيين أداء الحروف من حيث إتباع الحركات في موضعها ومقدار المدّ عند من يطلقه أو يقصره وأمثال ذلك؛ والتلحين أيضا يتعيّن له مقدار من الصوت لا يتمّ إلا به من أجل التناسب الذي قلناه (ابن خلدون) في حقيقة التلحين؛ واعتبار أحدهما قد يخلّ بالآخر إذا تعارضا. (مقد 2، 980، 1)
-صناعة الفلاحة: هذه الصناعة ثمرتها اتّخاذ الأقوات والحبوب بالقيام على إثارة الأرض لها وازدراعها، وعلاج نباتها، وتعهّده بالسقي والتنمية إلى بلوغ غايته، ثم حصاد سنبله واستخراج حبه من غلافه، وإحكام الأعمال لذلك، وتحصيل أسبابه ودواعيه. وهي أقدم الصنائع لما أنّها محصّلة للقوت المكمل لحياة الإنسان غالبا، إذ يمكن وجوده من دون جميع الأشياء إلّا من دون القوت. ولهذا اختصّت هذه الصناعة بالبدو. وإذ قدّمنا أنه أقدم من الحضر وسابق عليه، فكانت هذه الصناعة لذلك بدويّة لا يقوم عليها الحضر ولا يعرفونها، لأنّ أحوالهم كلّها ثانية على البداوة، فصنائعهم ثانية عن صنائعها وتابعة لها. (مقد 2، 944، 1)
-الفلاحة: هذه الصناعة من فروع الطبيعيات وهي النظر في النبات من حيث تنميته ونشؤه بالسقي والعلاج وتعهده بمثل ذلك.
وكان للمتقدّمين بها عناية كبيرة، وكان النظر فيها عندهم عامّا في النبات من جهة