فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 1207

الآلات بكثرة الأعمال حينئذ، وكثر الصّناع إلى أن تبلغ غايتها من ذلك كما سبق بشأنها. فإذا تراجع عمرانها وخفّ ساكنها قلّت الصنائع لأجل ذلك، ففقدت الإجادة في البناء والإحكام والمعالاة عليه بالتنميق. ثم تقل الأعمال لعدم الساكن فيقل جلب الآلات من الحجر والرخام وغيرهما، فتفقد ويصير بناؤهم وتشييدهم من الآلات التي في مبانيهم، فينقلونها من مصنع إلى مصنع لأجل خلاء أكثر المصانع والقصور والمنازل بقلّة العمران وقصوره عمّا كان أولا. ثم لا تزال تنقل من قصر إلى قصر ومن دار إلى دار إلى أن يفقد الكثير منها جملة، فيعودون إلى البداوة في البناء واتّخاذ الطوب عوضا عن الحجارة، والقصور عن التنميق بالكلّية، فيعود بناء المدينة مثل بناء القرى والمدائن، ويظهر عليها سيما البداوة، ثم تمر في التناقص إلى غايتها من الخراب إن قدّر لها به.

(مقد 2، 870، 14)

-إنّ الظلم مؤذن بخراب العمران: اعلم أنّ العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك. وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب.

فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه الآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها. وإن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته.

والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنّما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين. فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران، وانتقضت الأحوال وابذعرّ الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها. فخف ساكن القطر، وخلت دياره، وخربت أمصاره، واختلّ باختلاله حال الدولة والسلطان؛ لما أنّها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة. (مقد 2، 741، 15)

-إنّ نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية، والسبب في ذلك أنّ الدولة والسلطان هي السوق الأعظم للعالم، ومنه مادة العمران. فإذا احتجن السلطان الأموال أو الجبايات، أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها، قلّ حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية، وانقطع أيضا ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم، وقلّت نفقاتهم جملة، وهم معظم السواد، ونفقاتهم أكثر مادّة للأسواق ممن سواهم.

فيقع الكساد حينئذ في الأسواق، وتضعف الأرباح في المتاجر فيقلّ الخراج لذلك.

لأنّ الخراج والجباية إنّما تكون من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت