-اعلم أن الكلام الذي هو العبارة والخطاب إنما سرّه وروحه في إفادة المعنى. وأما إذا كان مهملا فهو كالموات الذي لا عبرة به.
وكمال الإفادة هو البلاغة على ما عرفت من حدّها عند أهل البيان؛ لأنهم يقولون:
هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال. ومعرفة الشروط والأحكام التي بها تطابق التراكيب اللفظية مقتضى الحال هو فن البلاغة.
وتلك الشروط والأحكام للتراكيب في المطابقة استقرئت من لغة العرب وصارت كالقوانين. (مقد 3، 1317، 3)
-إن اقتضى (العرض) قسمة، فكمّ؛ فإن اشتركت الأجزاء في حدّ فمتّصل؛ إن وجدت معا فمقدار، ذو بعد خطّ، وذو بعدين سطح، وذو ثلاثة جسم تعليميّ وإلّا فزمان؛ وإن لم تشترك فعدد. وإن لم يقتض شيئا منهما، فكيفيّة إمّا محسوسة أو نفسانيّة أو تهيّؤ للتأثير والتأثّر، وهو القوّة واللاقوّة؛ أو للكمّيّات المتّصلة كالاستقامة والانحناء، أو المنفصلة كالأوّليّة والتركيب. (ل، 62، 3)
-إنّ الناس ما لم يستوف العمران الحضري وتتمدّن المدينة إنّما همهم في الضروريّ من المعاش، وهو تحصيل الأقوات من الحنطة وغيرها. فإذا تمدّنت المدينة وتزايد فيها الأعمال ووفت بالضروريّ وزادت عليه، صرف الزائد حينئذ إلى الكمالات من المعاش. ثم إنّ الصنائع والعلوم إنّما هي للإنسان من حيث فكره الذي يتميّز به عن الحيوانات، والقوت له من حيث الحيوانيّة والغذائيّة، فهو مقدّم لضروريّته على العلوم والصنائع. وهي متأخّرة عن الضروريّ. وعلى مقدار عمران البلد تكون جودة الصنائع للتأنّق فيها حينئذ، واستجادة ما يطلب منها بحيث تتوفّر دواعي الترف والثروة. وأمّا العمران البدويّ أو القليل فلا يحتاج من الصنائع إلّا البسيط، خاصّة المستعمل في الضروريّات من نجّار أو حدّاد أو خيّاط أو حائك أو جار. وإذا وجدت هذه بعد فلا توجد فيه كاملة ولا مستجادة، وإنّما يوجد منها بمقدار الضرورة، إذ هي كلها وسائل إلى غيرها وليست مقصودة لذاتها. وإذا زخر بحر العمران وطلبت فيه الكمالات، كان من جملتها التأنّق في الصنائع واستجادتها، فكملت بجميع متمّماتها وتزايدات صنائع أخرى معها مما تدعو إليه عوائد الترف وأحواله من جزّار ودبّاغ وخرّاز وصائغ وأمثال ذلك. وقد تنتهي هذه الأصناف إذا استبحر العمران إلى أن يوجد منها كثير من الكمالات، والتأنّق فيها في الغاية، وتكون من وجوه المعاش في المصر لمنتحلها، بل تكون فائدتها من أعظم فوائد الأعمال، لما يدعو إليه الترف في المدينة مثل الدهّان والصفّار والحمّاميّ والطبّاخ والسفّاح والهرّاس ومعلّم الغناء والرقص وقرع الطبول على التوقيع، ومثل الورّاقين الذين