رأينا من ذلك أعدادا في الأمصار والمدن وفي البدو، يسعى لهم الناس في الفلح والتّجر وكلّ قاعد بمنزله لا يبرح من مكانه، فينمو ماله ويعظم كسبه، ويتأثّل الغنى من غير سعي. ويعجب من لا يفطن لهذا السر في حال ثروته وأسباب غناه ويساره. (مقد 2، 919، 16)
-إن عمران البادية ناقص عن الحواضر والأمصار؛ لأنّ الأمور الضروريّة في العمران ليس كلّها موجودة لأهل البدو؛ وإنّما توجد لديهم في مواطنهم أمور الفلح، وموادها معدومة ومعظمها الصنائع، فلا توجد لديهم بالكلّية، من نجّار وخيّاط وحدّاد وأمثال ذلك مما يقيم لهم ضروريّات معاشهم في المفلح وغيره.
وكذا الدنانير والدراهم مفقودة لديهم؛ وإنّما بأيديهم أعواضها من مغلّ الزراعة وأعيان الحيوان أو فضلاته ألبانا وأوبارا وأشعارا وإهابا مما يحتاج إليه أهل الأمصار، فيعوضونهم عنه بالدنانير والدراهم، إلّا أنّ حاجتهم إلى الأمصار في الضروريّ وحاجة أهل الأمصار إليهم في الحاجيّ الكماليّ. (مقد 2، 519، 8)
-حصول جوهرين في حيّزين بحيث لا يتخلّلهما ثالث اجتماع، وبالعكس افتراق.
(ل، 68، 12)
-الأفعال الحيوانية لغير البشر فليس فيها انتظام لعدم الفكر الذي يعثر به الفاعل على الترتيب فيما يفعل. إذ الحيوانات إنما تدرك بالحواس، ومدركاتها متفرّقة خليّة من الربط، لأنه لا يكون إلا بالفكر. ولما كانت الحواس المعتبرة في عالم الكائنات هي المنتظمة، وغير المنتظمة إنما هي تبع لها، اندرجت حينئذ أفعال الحيوانات فيها؛ فكانت مسخّرة للبشر، واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث بما فيه.
(مقد 3، 1011، 5)
-اعلم أنّ هذه الأقاليم المعتدلة ليس كلها يوجد بها الخصب وكل سكانها في رغد من العيش؛ بل فيها ما يوجد لأهله خصب العيش، من الحبوب والأدم والحنطة والفواكه لزكاة المنابت واعتدال الطينة ووفر العمران؛ وفيها الأرض الحرّة التي لا تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة، فسكانها في شظف من العيش: مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثّمين من صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمال فيما بين البربر والسودان، فإنّ هؤلاء يفقدون الحبوب والأدم جملة، وإنّما أغذيتهم وأقواتهم الألبان واللحوم؛ ومثل العرب أيضا الجائلين في القفار، فإنّهم وإن كانوا يأخذون الحبوب والأدم من التلول إلّا أنّ ذلك في الأحايين وتحت رقبة من حاميتها، وعلى الإقلال لقلّة