على جميع ما تقدّم الجهل بطبائع الأحوال في العمران؛ فإن كل حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا لا بدّ له من طبيعة تخصّه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله؛ فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها، أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب؛ وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض. (مقد 1، 328، 9)
-إنّ كل أمّة لا بدّ لهم من وطن هو منشؤهم ومنه أوليّة ملكهم. وإذا ملكوا ملكا آخر صار تبعا للأول، وأمصاره تابعة لأمصار الأول، واتّسع نطاق الملك عليهم، ولا بدّ من توسط الكرسي تخوم الممالك التي للدولة، لأنّه شبه المركز للنطاق، فيبعد مكانه عن مكان الكرسي الأول، وتهوي أفئدة الناس إليه من أجل الدولة والسلطان، فينتقل إليه العمران ويخفّ من مصر الكرسيّ الأول، والحضارة إنّما هي توفّر العمران ... فتنتقص حضارته وتمدّنه، وهو معنى اختلاله. وهذا كما وقع للسلجوقية في عدولهم بكرسيّهم عن بغداد إلى أصبهان، وللعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة، ولبني العباس في العدول عن دمشق إلى بغداد، ولبني مرين بالمغرب في العدول عن مراكش إلى فاس. وبالجملة فاتّخاذ الدولة الكرسي في مصر يخل بعمران الكرسي الأول. (مقد 2، 894، 10)
كرسيّ الملك
-إنّ الدولة لا بدّ في أوّلها من البداوة المقتضية للتجافي عن أموال الناس والبعد عن التحذلق. ويدعو ذلك إلى تخفيف الجباية والمغارم التي منها مادّة الدولة فتقلّ النفقات ويقصر الترف. فإذا صار المصر الذي كان كرسيّا للملك في ملكة هذه الدولة المتجدّدة، ونقصت أحوال الترف فيها، نقص الترف فيمن تحت أيديها من أهل المصر، لأنّ الرعايا تبع للدولة، فيرجعون إلى خلق الدولة، إمّا طوعا لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم، أو كرها لما يدعو إليه خلق الدولة من الانقباض عن الترف في جميع الأحوال وقلّة الفوائد التي هي مادة العوائد، فتقصر لذلك حضارة المصر، ويذهب منه كثير من عوائد الترف، وهو معنى ما نقول في خراب المصر. (مقد 2، 893، 10)
-الإنسان متى اقتدر على نفسه، وتجاوز طور الضعف، سعى في اقتناء المكاسب، لينفق ما آتاه اللّه منها في تحصيل حاجاته وضروراته بدفع الأعواض عنها؛ قال اللّه تعالى: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ (العنكبوت: 17) . وقد يحصل له ذلك بغير سعي كالمطر المصلح للزراعة وأمثاله؛ إلا أنّها إنّما تكون معينة ولا بدّ من سعيه معها كما يأتي. فتكون له تلك المكاسب معاشا إن كانت بمقدار الضرورة