-يلحق بمعنى الغلب في الحروب وأنّ أسبابه خفيّة وغير طبيعيّة حال الشهرة والصيت. فقلّ أن تصادف موضعها في أحد من طبقات الناس من الملوك والعلماء والصالحين والمنتحلين للفضائل على العموم، وكثير ممن اشتهر بالشرّ وهو بخلافه، وكثير ممن تجاوزت عنه الشهرة وهو أحق بها وأهلها. وقد تصادف موضعها وتكون طبقا على صاحبها.
والسبب في ذلك أنّ الشهرة والصيت إنّما هما بالأخبار، والأخبار يدخلها الذهول عن المقاصد عند التناقل، ويدخلها التعصّب والتشيّع، ويدخلها الأوهام، ويدخلها الجهل بمطابقة الحكايات للأحوال، لخفائها بالتلبّس والتصنّع أو لجهل الناقل، ويدخلها التقرّب لأصحاب التجلّة والمراتب الدنيويّة بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، والنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطاولون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها؛ وأين مطابقة الحق مع هذه كلها؟ فتختل الشهرة عن أسباب خفية من هذه، وتكون غير مطابقة. وكل ما حصل بسبب خفي فهو الذي يعبّر عنه بالبخت. (مقد 2، 729، 14)
-لا وثوق في الحرب بالظّفر وإن حصلت أسبابه من العدّة والعديد؛ وإنّما الظّفر فيها والغلب من قبيل البخت والاتّفاق، وبيان ذلك أنّ أسباب الغلب في الأكثر مجتمعة من أمور ظاهرة وهي الجيوش ووفورها وكمال الأسلحة واستجادتها وكثرة الشجعان وترتيب المصاف، ومنه صدق القتال وما جرى مجرى ذلك، ومن أمور خفية وهي إما من خدع البشر وحيلهم في خفية وهي إما من خدع البشر وحيلهم في الإرجاف والتشانيع التي يقع بها التخذيل، وفي التقدّم إلى الأماكن المرتفعة، ليكون الحرب من أعلى فيتوهّم المنخفض لذلك، وفي الكمون في الغياض ومطمئن الأرض والتواري بالكدى عن العدو حتى يتداولهم العسكر دفعة وقد تورطوا فيتلفتون إلى النجاة، وأمثال ذلك. وإما أن تكون تلك الأسباب الخفيّة أمورا سماوية لا قدرة للبشر على اكتسابها تلقى في القلوب، فيستولي الرّهب عليهم لأجلها فتختل مراكزهم فتقع الهزيمة وأكثر ما تقع الهزائم عن هذه الأسباب الخفية لكثرة ما يعتمل لكل واحد من الفريقين فيها حرصا على الغلب، فلا بدّ من وقوع التأثير في ذلك لأحدهما ضرورة. ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم: «الحرب خدعة» (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب