تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدّي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتّسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال. وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق.
وإن فحول المؤرّخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها، وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفّلون بدسائس من الباطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفّقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها، وأدّوها إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها، ولا رفضوا ترّهات الأحاديث ولا دفعوها. فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد عريق في الآدميين وسليل، والتطفّل على الفنون عريض وطويل، ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل. والحق لا يقاوم سلطانه، والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه، والناقل إنما هو يملي وينقل، والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل، والعلم يجلو لها صفحات الصواب ويصقل. (مقد 1، 282، 4)
-فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم؛ حتى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا.
فهو محتاج إلى مآخذ متعدّدة، ومعارف متنوّعة، وحسن نظر وتثبّت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكّبان به عن المزلّات والمغالط. (مقد 1، 291، 5)
-يحتاج صاحب هذا الفن (فن التاريخ) إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السّير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتّفق منها والمختلف، والقيام على أصول الدول والملل، ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها، ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم، حتى يكون مستوعبا لأسباب كل حادث، واقفا على أصول كل خبر. وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول، فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان، وإلا زيّفه واستغنى عنه.
(مقد 1، 320، 2)
-فلاسفة جمع فيلسوف وهو باللسان اليوناني محبّ الحكمة. (مقد 3، 1210، 1)