فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 1207

الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم، لحمله إيّاهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد من الخلف إلى السلف منهم، فتعسر طاعته لذلك، وتجي ء العصبيّة المفضية إلى الهرج والقتل. فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسيّة مفروضة يسلّمها الكافّة وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم. وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها، ولا يتمّ استيلاؤها: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ(الأحزاب:

38). فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية؛ وإذا كانت مفروضة من اللّه بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينيّة نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وذلك أنّ الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنّها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء ... فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة؛ حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنسانيّ، فاجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطا بنظر الشارع.

(مقد 2، 577، 3)

سياسة مدنيّة

-السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة، ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه. (مقد 1، 332، 2)

-ما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب- (العمران البشري لا بدّ له من سياسة) -، وإنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا: ويسمّون المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمّى من ذلك «بالمدينة الفاضلة» ؛ والقوانين المراعاة في ذلك «بالسياسة المدنية» .

وليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة؛ فإن هذه غير تلك. وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع، وإنما يتكلّمون عليها على جهة الفرض والتقدير. (مقد 2، 773، 10)

-فقد تبيّن لك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك. وأنّ الأمر كان في أوّله خلافة، ووازع كل أحد فيها من نفسه وهو الدين، وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة.

فهذا عثمان لما حصر في الدار جاءه الحسن والحسين وعبد اللّه بن عمر وابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه، فأبى ومنع من سلّ السيوف بين المسلمين مخافة الفرقة وحفظا للألفة التي بها حفظ الكلمة، ولو أدّى إلى هلاكه. وهذا عليّ أشار عليه المغيرة لأول ولايته باستبقاء الزبير ومعاوية وطلحة على أعمالهم حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت