يقرءون. ومن قرأ منهم أو كتب فيكون الخطّ قاصرا وقراءته غير نافذة. ونجد تعليم الخط في الأمصار الخارج عمرانها عن الحدّ أبلغ وأحسن وأسهل طريقا، لاستحكام الصنعة فيها، كما يحكى لنا عن مصر لهذا العهد، وأن بها معلّمين منتصبين لتعليم الخط يلقون على المتعلّم قوانين وأحكاما في وضع كل حرف، ويزيدون إلى ذلك المباشرة بتعليم وضعه، فتعتضد لديه رتبة العلم والحسّ في التعليم، وتأتي ملكته على أتمّ الوجوه. وإنما أتى هذا من كمال الصنائع ووفورها بكثرة العمران وانفساح الأعمال. (مقد 2، 961، 8)
-القياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة، ومن الغلط غير مأمونة، تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده، وتعوج به عن مرامه.
فربّما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطّن لما وقع من تغيّر الأحوال وانقلابها، فيجريها لأوّل وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد؛ وقد يكون الفرق بينهما كثيرا، فيقع في مهواة من الغلط. فمن هذا الباب ما ينقله المؤرّخون من أحوال الحجّاج وأنّ أباه كان من المعلّمين؛ مع أنّ التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشيّة البعيدة من اعتزاز أهل العصبيّة؛ والمعلّم مستضعف مسكين، منقطع الجذم. فيتشوّف الكثير من المستضعفين أهل الحرف والصنائع المعاشيّة إلى نيل الرتب التي ليسوا لها بأهل ويعدّونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع، وربما انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة والتلف، ولا يعلمون استحالتها في حقهم، وأنّهم أهل حرف وصنائع للمعاش، وأنّ التعليم صدر الإسلام والدولتين لم يكن كذلك، ولم يكن العلم بالجملة صناعة، إنّما كان نقلا لما سمع من الشارع وتعليما لما جهل من الدين على جهة البلاغ. فكان أهل الأنساب والعصبيّة الذين قاموا بالملّة هم الذين يعلّمون كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلى اللّه عليه وسلم، على معنى التبليغ الخبري لا على وجه التعليم الصناعي. (مقد 1، 322، 10)
تعيّن
-كلّ موجودين يتمايزان بالتعيّن.- وهو ثبوتيّ خلافا لأصحابنا. (ل، 87، 3)
تغلّب
-إنّ العرب لا يحصل لهم الملك إلّا بصبغة دينيّة من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة: والسبب في ذلك أنّهم لخلق التوحّش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمّة والمنافسة في الرئاسة؛ فقلّما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدين بالنبوّة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم، فسهل انقيادهم واجتماعهم. وذلك بما يشملهم من الدين