أنّها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة. والرئاسة فيهم إنّما تكون في نصاب واحد منهم ولا تكون في الكل.
ولمّا كانت الرئاسة إنّما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبيّة ذلك النصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها وتتمّ الرئاسة لأهلها. فإذا وجب ذلك تعيّن أنّ الرئاسة عليهم لا تزال في ذلك النصاب المخصوص بأهل الغلب عليهم؛ إذ لو خرجت عنهم وصارت في العصائب الأخرى النازلة عن عصابتهم في الغلب لما تمّت لهم الرئاسة. فلا تزال في ذلك النصاب متناقلة من فرع منهم إلى فرع، ولا تنتقل إلّا إلى الأقوى من فروعه، لما قلناه من سر الغلب. لأن الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج في المتكوّن؛ والمزاج في المتكون لا يصلح إذا تكافأت العناصر؛ فلا بدّ من غلبة أحدها، وإلّا لم يتم التكوين. فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية. ومنه تعين استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص بها كما قرّرناه.
(مقد 2، 488، 10)
-إذا حالت صبغة الدين وفسدت، كيف ينتقض الأمر ويصير الغلب على نسبة العصبيّة وحدها دون زيادة الدين؛ فيغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوّة عليها الذين غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا أكثر عصبيّة منها وأشدّ بداوة. واعتبر هذا في الموحدين مع زناتة؛ لمّا كانت زناتة أبدى من المصامدة وأشدّ توحشا، وكان للمصامدة الدعوة الدينيّة باتباع المهدي، فلبسوا صبغتها وتضاعفت قوّة عصبيتهم بها، فغلبوا على زناتة أولا واستتبعوهم، وإن كانوا من حيث العصبيّة والبداوة أشدّ منهم؛ فلمّا خلوا عن تلك الصبغة الدينيّة انتقضت عليهم زناتة من كل جانب وغلبوهم على الأمر وانتزعوه منهم.
(مقد 2، 528، 4)
-من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدّل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدّل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دويّ شديد الخفاء، إذ لا يقع إلّا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطّن له إلا الآحاد من أهل الخليقة. وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقرّ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول:
سنة اللّه التي قد خلت في عباده. وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسريانيون والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط، وكانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركتهم مع أبناء جنسهم. وأحوال اعتمارهم