ومن الغلط غير مأمونة، تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده، وتعوج به عن مرامه.
فربما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطن لما وقع من تغيّر الأحوال وانقلابها، فيجريها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد؛ وقد يكون الفرق بينهما كثيرا، فيقع في مهواة من الغلط. (مقد 1، 321، 18)
-إنّ ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتموّلات إن كان من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله وهو القصد بالقنية، إذ ليس هناك إلّا العمل وليس بمقصود بنفسه للقنية. وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرها مثل النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، إلا أنّ العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر. وإن كان من غير الصنائع فلا بدّ في قيمة ذلك المفاد، والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به، إذ لو لا العمل لم تحصل قنيتها. وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل له حصّة من القيمة عظمت أو صغرت. وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين الناس، فإن اعتبار الأعمال والنفقات فيها ملاحظ في أسعار الحبوب كما قدّمناه؛ لكنه خفيّ في الأقطار التي علاج الفلح فيها ومئونته يسيرة، فلا يشعر به إلّا القليل من أهل الفلح. فقد تبيّن أنّ المفادات والمكتسبات كلّها أو أكثرها إنّما هي قيم الأعمال الإنسانيّة، وتبين مسمّى الرزق وأنّه المنتفع به. فقد بان معنى الكسب والرزق وشرح مسمّاهما. (مقد 2، 908، 13)
-إنّ الكسب الذي يستفيده البشر إنّما هو قيم أعمالهم. ولو قدّر أحد عطل عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكليّة. وعلى قدر عمله وشرفه بين الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته، وعلى نسبة ذلك نموّ كسبه أو نقصانه. وقد بيّنا آنفا أن الجاه يفيد المال لما يحصل لصاحبه من تقرّب الناس إليه بأعمالهم وأموالهم في دفع المضارّ وجلب المنافع، وكان ما يتقرّبون به من عمل أو مال عوضا عما يحصلون عليه بسبب الجاه من الأغراض في صالح أو طالح. وتصير تلك الأعمال في كسبه، وقيمها أموال وثروة له. فيستفيد الغنى واليسار لأقرب وقت. (مقد 2، 920، 14)
-قيمة الأعمال ... متفاوتة بحسب الحاجة إليها، فإذا كانت الأعمال ضروريّة في العمران عامّة البلوى به، كانت قيمتها أعظم وكانت الحاجة إليها أشدّ. وأهل هذه الصنائع الدينيّة لا تضطرّ إليهم عامّة الخلق، وإنّما يحتاج إلى ما عندهم الخواصّ ممن أقبل على دينه؛ وإن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات فليس على وجه الاضطرار والعموم، فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الأكثر. وإنّما يهتم بإقامة مراسمهم صاحب الدولة بما له من النظر في المصالح، فيقسم لهم حظّا من الرزق على نسبة الحاجة إليهم على النحو