فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 1207

الغضب والأنفة ومقتضى القوة البشرية في ذلك، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة، وهي تؤدي إلى الهرج وسفك الدماء وإذهاب النفوس، المفضي ذلك إلى انقطاع النوع، وهو مما خصّه الباري سبحانه بالمحافظة، واستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض؛ واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكّم ولا بدّ في ذلك من العصبية لما قدّمناه من أنّ المطالبات كلّها، والمدافعات لا تتمّ إلّا بالعصبيّة. (مقد 2، 573، 8)

-اعلم أنّ كل حيّ أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضا عصبيّات أخرى لأنساب خاصّة هي أشدّ التحاما من النسب العام لهم، مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين. فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام. والنّعرة تقع عن أهل نسبهم لمخصوص وعن أهل النسب العام؛ إلا أنّها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة. والرئاسة فيهم إنّما تكون في نصاب واحد منهم ولا تكون في الكل.

ولمّا كانت الرئاسة إنّما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبيّة ذلك النصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها وتتمّ الرئاسة لأهلها. فإذا وجب ذلك تعيّن أنّ الرئاسة عليهم لا تزال في ذلك النصاب المخصوص بأهل الغلب عليهم؛ إذ لو خرجت عنهم وصارت في العصائب الأخرى النازلة عن عصابتهم في الغلب لما تمّت لهم الرئاسة. فلا تزال في ذلك النصاب متناقلة من فرع منهم إلى فرع، ولا تنتقل إلّا إلى الأقوى من فروعه، لما قلناه من سر الغلب. لأن الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج في المتكوّن؛ والمزاج في المتكون لا يصلح إذا تكافأت العناصر؛ فلا بدّ من غلبة أحدها، وإلّا لم يتم التكوين. فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية. ومنه تعيّن استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص بها كما قرّرناه.

(مقد 2، 489، 2)

-إن الاجتماع للبشر ضروري، وهو معنى العمران الذي نتكلّم فيه، وأنه لا بدّ لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه.

وحكمه فيهم: تارة يكون مستندا إلى شرع منزّل من عند اللّه يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلّغه؛ وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقّعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم. فالأولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة، ولمراعاته نجاة العباد في الآخرة؛ والثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط. (مقد 2، 773، 3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت