الملكية، وهو معنى الدولة. وإذا كانا لا ينفكان فاختلال أحدهما مؤثر في اختلال الآخر، كما أنّ عدمه مؤثر في عدمه.
والخلل العظيم إنّما يكون من خلل الدولة الكلّية مثل دولة الروم أو الفرس أو العرب على العموم، أو بني أميّة أو بني العباس كذلك. وأمّا الدولة الشخصيّة مثل دولة أنوشروان أو هرقل أو عبد الملك بن مروان أو الرشيد، فأشخاصها متعاقبة على العمران حافظة لوجوده وبقائه وقريبة الشبه بعضها من بعض، فلا تؤثر كثير اختلال لأنّ الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة العمران إنّما هي العصبيّة والشوكة، وهي مستمرّة على أشخاص الدولة. فإذا ذهبت تلك العصبية ودفعتها عصبية أخرى مؤثرة في العمران، ذهب أهل الشوكة بأجمعهم وعظم الخلل كما قرّرناه أولا. (مقد 2، 896، 3)
-اعلم أنّ من خلال الكمال التي يتنافس فيها القبائل أولو العصبيّة وتكون شاهدة لهم بالملك إكرام العلماء والصالحين والأشراف وأهل الأحساب وأصناف التجار والغرباء وإنزال الناس منازلهم.
وذلك أن إكرام القبائل وأهل العصبيّات والعشائر لمن يناهضهم في الشرف ويجاذبهم حبل العشير والعصبية ويشاركهم في اتّساع الجاه أمر طبيعي يحمل عليه في الأكثر الرغبة في الجاه أو المخافة من قوم المكرم أو التماس مثلها منه. وأمّا أمثال هؤلاء ممن ليس لهم عصبيّة تتقى ولا جاه يرتجى فيندفع الشكّ في شأن كرامتهم ويتمحّض القصد فيهم أنّه للمجد، وانتحال الكمال في الخلال والإقبال على السياسة بالكلّية. لأنّ إكرام أقتاله وأمثاله ضروريّ في السياسة الخاصّة بين قبيله ونظرائه؛ وإكرام الطارئين من أهل الفضائل والخصوصيّات كمال في السياسة العامّة.
فالصالحون للدين؛ والعلماء للّجإ إليهم في إقامة مراسم الشريعة؛ والتجار للترغيب حتى تعمّ المنفعة بما في أيديهم؛ والغرباء من مكارم الأخلاق؛ وإنزال الناس منازلهم من الإنصاف وهو من العدل. فيعلم بوجود ذلك من عصبيّته انتماؤهم للسياسة العامّة وهي الملك، وأنّ اللّه قد تأذّن بوجودها فيهم لوجود علاماتها. ولهذا كان أول ما يذهب من القبيل أهل الملك إذا تأذّن اللّه تعالى بسلب ملكهم وسلطانهم إكرام هذا النصف من الخلق. فإذا رأيته قد ذهب من أمّة من الأمم فاعلم أنّ الفضائل قد أخذت في الذهاب عنهم، وارتقب زوال الملك منهم. (مقد 2، 507، 7)
-إنّ حقيقة الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا، فصاحب الشرع متصرّف في الأمرين: أمّا في الدين فبمقتضى التكاليف الشرعيّة التي هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها؛ وأمّا سياسة الدنيا فبمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشرى. وقد قدّمنا (ابن خلدون)