ولد الجرجاني كما سبق ذكره عام 740 هجرية، وكانت الديار العربية والإسلامية على امتداد رقعتها في مصر والشام والعراق وفارس وما وراء النهر قد تعرّضت ما بين القرنين الخامس والسابع الهجريين إلى غزوات مدمّرة.
ففي الغرب شنّ الفرنجة حملاتهم المتتابعة المسمّاة بالغزوات الصليبية على سواحل الشام ومصر وتوالت المعارك لقرون وتداول الفرنجة والمسلمون المدينة الواحدة مرّات عدّة فدكّت الحاضرات دكّا.
وفي الشرق زحف التتار من المغول على ديار الإسلام ودمّر هولاكو كبرى حاضرات المسلمين في التاريخ إذ غزت جيوشه بغداد عام 655 ه/ 1258 م «و استبيحت المدينة أربعين يوما» «1» وهكذا خنقت الحضارة العربية الإسلامية بين فكّي الكمّاشة هذه وتحوّلت البلاد إلى دويلات يتنازع سلطانها الأيوبيون والمماليك والتركمان والمغول بقوة السلاح، فتخلف الشرق إلى مستوى أوروبا الإقطاعية في القرون الوسطى. ومن محاسن القدر أن انتصر المماليك المسلمون على التتار «يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان على عين جالوت» «2» مما أوقف هذا التخريب عند حدود مصر.
أما في فارس فقد توالى ملوك المغول الإيلخانية من خلفاء هولاكو على السلطة وظلّت بلاد عديدة مهجورة من السكان خالية على عروشها وضاع الشرع الإسلامي وحلّ محلّه العرف المغولي الساذج في الحكم «3» .
«و ظلّت إيران أشبه بالكرة يتنازعها جماعة من أمراء القبائل المتنافسين يرجع بعضهم إلى أصل تركي وينتسب البعض الآخر إلى المغول» «4» .
وكان أن ظهر بين المغول زمن السيّد الجرجاني بطل عسكري آخر عرف
(1) ابن كثير، أبو الفداء، البداية والنهاية، مصر، المعارف، 1966، 13/ 196.
(2) ابن الوردي، زين الدين، تاريخ ابن الوردي، النجف العراق، المطبعة الحيدرية، 2/ 290.
(3) بروكلمان، كارل، تاريخ الشعوب الإسلامية، ط 5، بيروت، دار العلم، 1968 م، ص 391 - 393.
(4) بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 492.