بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها: أما دينها فلاستحكام صبغة العوائد التي يعسر نزعها؛ وأما دنياها فلكثرة الحاجات والمئونات التي تطالب بها العوائد ويعجز الكسب عن الوفاء بها. وبيانه أن المصر بالتفنّن في الحضارة تعظم نفقات أهله. والحضارة تتفاوت بتفاوت العمران، فمتى كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل. وقد كنّا قدمنا أنّ المصر الكثير العمران يختصّ بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته ثم تزيدها المكوس غلاء لأنّ الحضارة إنّما تكون عند انتهاء الدولة في استفحالها وهو زمن وضع المكوس في الدولة لكثرة خرجها حينئذ كما تقدّم؛ والمكوس تعود على البيّاعات بالغلاء؛ لأنّ السوقة والتجّار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه حتى في مئونة أنفسهم. فيكون المكس لذلك داخلا في قيم المبيعات وأثمانها؛ فتعظم نفقات أهل الحضارة ويخرج عن القصد إلى الإسراف، ولا يجدون وليجة عن ذلك، لما ملكهم من أثر العوائد وطاعتها، وتذهب مكاسبهم كلّها في النفقات ويتتابعون في الإملاق والخصاصة ويغلب عليهم الفقر، ويقلّ المستامون للمبايع، فتكسد الأسواق ويفسد حال المدينة.
وداعية ذلك كله إفراط الحضارة والترف؛ وهذه مفسدات في المدينة على العموم في الأسواق والعمران. (مقد 2، 888، 2)
-إنّه حال الفعل إن امتنع الترك، فلا اختيار؛ وإلّا، فلا بدّ من مرجّح، وليس من فعله، وإلّا عاد البحث؛ فإن وجب معه فذاك، وإلّا افتقر إلى مخصّص وقت الفعل. (ل، 111، 2)
-اعلم أنّه إذا فقدت الأعمال أو قلّت بانتقاص العمران تأذّن اللّه برفع الكسب.
ألا ترى إلى الأمصار القليلة الساكن كيف يقلّ الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلّة الأعمال الإنسانيّة. وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع أحوالا وأشدّ رفاهية ... ومن هذا الباب تقول العامة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنّها قد ذهب رزقها. حتى إن الأنهار العيون ينقطع جريها في القفر؛ لما أنّ فور العيون إنّما يكون بالإنباط والامتراء الذي هو بالعمل الإنساني، كالحال في ضروع الأنعام. فما لم يكن إنباط ولا امتراء نضبت وغارت بالجملة، كما يجفّ الضّرع إذا ترك امتراؤه. وانظره في البلاد التي تعهد فيها العيون لأيّام عمرانها ثم يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنّها لم تكن. (مقد 2، 909، 5)
-أرامل البلد، والفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، يحسن إليهم بقدر الإمكان ولا سيّما الجيران، وإذا أبدوا ضرورتهم ولا