فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 1207

وخرجت هذه الوظيفة عن أهل عصبيّة الدولة. لأنّ الأمر لمّا كان خلافة دينيّة، وهذه الخطة من مراسم الدين، فكانوا لا يولّون فيها إلّا من أهل عصبيتهم من العرب ومواليهم بالحلف أو بالرق أو بالاصطناع ممن يوثق بكفايته أو غنائه فيم يدفع إليه. ولما انقرض شأن الخلافة وطورها وصار الأمر كله ملكا أو سلطانا صارت هذه الخطط الدينية بعيدة عنه بعض الشي ء، لأنّها ليست من ألقاب الملك ولا مراسمه ثم خرج الأمر جملة من العرب وصار الملك لسواهم من أمم الترك والبربر، فازدادت هذه الخطط الخلافيّة بعدا عنهم بمنحاها وعصبيّتها. (مقد 2، 632، 3)

-إنّ الظلم مؤذن بخراب العمران: اعلم أنّ العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك. وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب.

فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه الآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها. وإن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته.

والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنّما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين. فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران، وانتقضت الأحوال وابذعرّ الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها. فخف ساكن القطر، وخلت دياره، وخربت أمصاره، واختلّ باختلاله حال الدولة والسلطان؛ لما أنّها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة. (مقد 2، 741، 22)

-في وفور العمران آخر الدولة وما يقع فيها من كثرة الموتان والمجاعات: اعلم أنّه قد تقرّر لك فيما سلف أنّ الدولة في أوّل أمرها لا بدّ لها من الرفق في ملكتها والاعتدال في إيالتها، إمّا من الدين إن كانت الدعوة دينيّة، أو من المكارمة والمحاسنة التي تقتضيها البداوة الطبيعيّة للدول. وإذا كانت الملكة رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا، وانتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر، ويكثر التناسل. وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنّما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في الأقل. وفي انقضاء الجيلين تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعيّ.

فيكون حينئذ العمران في غاية الوفور والنماء. ولا تقولنّ إنّه قد مرّ لك أنّ أواخر الدولة يكون فيها الإجحاف بالرعايا وسوء الملكة، فذلك صحيح، ولا يعارض ما قلناه؛ لأنّ الإجحاف وإن حدث حينئذ وقلّت الجبايات فإنّما يظهر أثره في تناقص العمران بعد حين، من أجل التدريج في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت