الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشكّ فيه.
(مقد 1، 331، 5)
-دوّن الناس في الأخبار وأكثروا، وجمعوا تواريخ الأمم والدول في العالم وسطّروا.
والذين ذهبوا بفضل الشهرة والأمانة المعتبرة، واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخّرة، هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل، ولا حركات العوامل؛ مثل ابن إسحاق والطّبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدي والمسعودي وغيرهم من المشاهير المتميّزين عن الجماهير؛ وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الأثبات، ومشهور بين الحفظة الثقات، إلا أن الكافة اختصّتهم بقبول أخبارهم، واقتفاء سننهم في التصنيف، واتّباع آثارهم. والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم. (مقد 1، 283، 8)
-إنّ البناء واختطاط المنازل إنّما هو من منازع الحضارة التي يدعو إليها الترف والدعة كما قدمناه، وذلك متأخّر عن البداوة ومناعها. وأيضا فالمدن والأمصار ذات هياكل وأجرام عظيمة وبناء كبير، وهي موضوعة للعموم لا للخصوص، فتحتاج إلى اجتماع الأيدي وكثرة التعاون، وليست من الأمور الضرورية للناس التي تعمّ بها البلوى حتى يكون نزوعهم إليها اضطرارا، بل لا بدّ من إكراههم على ذلك، وسوقهم إليه مضطهدين بعصا الملك أو مرغّبين في الثواب. والأجر الذي لا يفي بكثرته إلّا الملك والدولة. فلا بدّ في تمصير الأمصار واختطاط المدن من الدولة والملك. (مقد 2، 844، 6)
-الدولة إنما يحصل لها الملك والاستيلاء بالغلب، والغلب إنما يكون بعد العداوة والحروب، والعداوة تقتضي منافاة بين أهل الدولتين وتكثر إحداهما عن الأخرى في العوائد والأحوال، وغلب أحد المتنافيين يذهب بالمنافي الآخر، فتكون أحوال الدولة السابقة منكرة عند أهل الدولة الجديدة ومستبشعة وقبيحة، وخصوصا أحوال الترف، فتفقد في عرفهم بنكير الدولة لها، حتى تنشأ لهم بالتدريج عوائد أخرى من الترف، فتكون عنها حضارة مستأنفة. وفيما بين ذلك قصور الحضارة الأولى ونقصها. وهو معنى اختلال العمران في المصر. (مقد 2، 894، 7)
-إنّ كل أمّة لا بدّ لهم من وطن هو منشؤهم ومنه أوليّة ملكهم. وإذا ملكوا ملكا آخر صار تبعا للأول، وأمصاره تابعة لأمصار الأول، واتّسع نطاق الملك عليهم، ولا بدّ من توسط الكرسي تخوم الممالك التي للدولة، لأنّه شبه المركز للنطاق، فيبعد