دون صاحبه، ثم إنّ الملك منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيويّة والشهوات البدنيّة والملاذ النفسانية فيقع فيه التنافس غالبا، وقلّ أن يسلّمه أحد لصاحبه إلّا إذا غلب عليه؛ فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة؛ وشي ء منها لا يقع إلّا بالعصبيّة كما ذكرناه آنفا. وهذا الأمر بعيد عن أفهام الجمهور بالجملة ومتناسون له، لأنّهم نسوا عهد تمهيد الدولة منذ أوّلها، وطال أمد مرباهم في الحضارة وتعاقبهم فيها جيلا بعد جيل؛ فلا يعرفون ما فعل اللّه أوّل الدولة؛ إنّما يدركون أصحاب الدولة وقد استحكمت صبغتهم، ووقع التسليم لهم، والاستغناء عن العصبيّة في تمهيد أمرهم، ولا يعرفون كيف كان الأمر من أوله، وما لقي أولهم من المتاعب دونه؛ وخصوصا أهل الأندلس في نسيان هذه العصبية وأثرها لطول الأمد واستغنائهم في الغالب عن قوّة العصبيّة بما تلاشى وطنهم وخلا من العصائب. (مقد 2، 521، 5)
-إنّ الدولة المستجدة إنّما تستولي على الدولة المستقرة بالمطاولة لا بالمناجزة؛ قد ذكرنا أنّ الدول الحادثة المتجدّدة نوعان: نوع من ولاية الأطراف إذا تقلّص ظلّ الدولة عنهم وانحسر تيارها، وهؤلاء لا يقع منهم مطالبة للدولة في الأكثر ...
لأنّ قصاراهم القنوع بما في أيديهم وهو نهاية قوتهم؛ والنوع الثاني نوع الدعاة والخوارج على الدولة وهؤلاء لا بدّ لهم من المطالبة، لأنّ قوتهم وافية بها، فإنّ ذلك إنّما يكون في نصاب يكون له من العصبيّة والاعتزاز ما هو كفاء ذلك وواف به. فيقع بينهم وبين الدولة المستقرّة حروب سجال تتكرّر وتتصل إلى أن يقع لهم الاستيلاء والظّفر بالمطلوب. ولا يحصل لهم في الغالب ظفر بالمناجزة.
والسبب في ذلك أن الظّفر في الحروب إنّما يقع ... بأمور نفسانيّة وهميّة، وإن كان العدد والسلاح وصدق القتال كفيلا به، لكنه قاصر مع تلك الأمور الوهميّة كما مرّ؛ ولذلك كان الخداع من أنفع ما يستعمل في الحرب وأكثر ما يقع الظّفر به؛ وفي الحديث: «الحرب خدعة» .
والدولة المستقرة قد صيّرت العوائد المألوفة طاعتها ضروريّة واجبة كما تقدّم في غير موضع. فتكثر بذلك العوائق لصاحب الدولة المستجدّة، ويكسر من هم أتباعه وأهل شوكته؛ وإن كان الأقربون من بطانته على بصيرة في طاعته وموازرته، إلّا أنّ الآخرين أكثر، وقد داخلهم الفشل بتلك العقائد في التسليم للدولة المستقرّة، فيحصل بعض الفتور منهم ولا يكاد صاحب الدولة المستجدة يقاوم صاحب الدولة المستقرة. فيرجع إلى الصبر والمطاولة، حتى يتّضح هرم الدولة المستقرّة، فتضمحلّ عقائد التسليم لها من قومه، وتنبعث منهم الهمم لصدق المطالبة معه، فيقع الظفر والاستيلاء. (مقد 2، 765، 6)