بمجرّدها ووضوحها. وإذا بعد النسب بعض الشي ء فربما تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة فتحمل على النّصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه، فرارا من الغضاضة التي يتوهّمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه. ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل واحد على أهل ولائه وحلفه للأنفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب؛ وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريبا منها.
ومن هذا تفهم معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» (سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في تعليم النسب، ح 1979، 4/ 351) ؛ بمعنى أنّ النسب إنّما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنّعرة، وما فوق ذلك مستغنى عنه؛ إذ النسب أمر وهميّ لا حقيقة له؛ ونفعه إنّما هو في هذه الوصلة والالتحام. فإذا كان ظاهرا واضحا حمل النفوس على طبيعتها من النّعرة كما قلناه. وإذا كان إنّما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الشغل به مجانا ومن أعمال اللهو المنهي عنه. ومن هذا الاعتبار معنى قولهم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر؛ بمعنى أنّ النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس، وانتفت النّعرة التي تحمل عليها العصبية فلا منفعة فيه حينئذ.
(مقد 2، 484، 3)
-اعلم أنّ كل حيّ أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضا عصبيّات أخرى لأنساب خاصّة هي أشدّ التحاما من النسب العام لهم، مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين. فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام. والنّعرة تقع عن أهل نسبهم المخصوص وعن أهل النسب العام؛ إلا أنّها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة. والرئاسة فيهم إنّما تكون في نصاب واحد منهم ولا تكون في الكل.
(مقد 2، 488، 7)
-في أحوال الموالي والمصطنعين في الدول: اعلم أنّ المصطنعين في الدول يتفاوتون في الالتحام بصاحب الدولة بتفاوت قديمهم وحديثهم في الالتحام بصاحبها، والسبب في ذلك أنّ المقصود في العصبيّة من المدافعة والمغالبة إنّما يتم بالنسب، لأجل التنصر في ذوي الأرحام والقربى، والتخاذل في الأجانب والبعداء كما قدمناه. والولاية والمخالطة بالرقّ أو بالحلف تتنزّل منزلة ذلك؛ لأنّ أمر النسب وإن كان طبيعيّا فإنّما هو وهميّ، والمعنى الذي كان به الالتحام إنّما هو العشرة والمدافعة وطول الممارسة والصحبة بالمربى والرضاع وسائر أحوال الموت