فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 1207

يحصل لمن توهّم الكمال، وأنّ الناس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة، كالعالم المتبحّر في علمه، أو الكاتب المجيد في كتابته، أو الشاعر البليغ في شعره؛ وكل محسن في صناعته يتوهّم أنّ الناس محتاجون لما بيده، فيحدث له ترفّع عليهم بذلك. وكذا يتوهّم أهل الأنساب، ممن كان في آبائه ملك أو عالم مشهور أو كامل في طور، يعتبرون بما رأوه أو سمعوه من حال آبائهم في المدينة، ويتوهّمون أنّهم استحقّوا مثل ذلك بقرابتهم إليهم ووراثتهم عنهم. فهم متمسّكون في الحاضر بالأمر المعدوم. وكذلك أهل الحيلة والبصر والتجارب بالأمور قد يتوهّم بعضهم كمالا في نفسه بذلك واحتياجا إليه. وتجد هؤلاء الأصناف كلّهم مترفّعين لا يخضعون لصاحب الجاه ولا يتملّقون لمن هو أعلى منهم، ويستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على الناس.

فيستنكف أحدهم عن الخضوع ولو كان للملك ويعدّه مذلّة وهوانا وسفها، ويحاسب الناس في معاملتهم إيّاه بمقدار ما يتوهّم في نفسه، ويحقد على من قصر له في شي ء مما يتوهّمه من ذلك، وربما يدخل على نفسه الهموم والأحزان من تقصيرهم فيه، ويستمرّ في عناء عظيم من إيجاب الحقّ لنفسه أو إباية الناس له من ذلك. ويحصل له المقت من الناس لما في طباع البشر من التألّه؛ وقلّ أن يسلّم أحد منهم لأحد في الكمال والترفّع عليه، إلّا أن يكون ذلك بنوع من القهر والغلبة والاستطالة؛ وهذا كلّه في ضمن الجاه.

فإذا فقد صاحب هذا الخلق الجاه وهو مفقود له كما تبيّن لك، مقته الناس بهذا الترفّع، ولم يحصل له حظ من إحسانهم، وفقد الجاه لذلك من أهل الطبقة التي هي أعلى منه، لأجل المقت وما يحصل له بذلك من القعود عن تعاهدهم وغشيان منازلهم، ففسد معاشه، وبقي في خصاصة وفقر أو فوق ذلك بقليل، وأمّا الثروة فلا تحصل له أصلا. ومن هذا اشتهر بين الناس أنّ الكامل في المعرفة محروم من الحظ، وأنّه قد حوسب بما رزق من المعرفة واقتطع له ذلك من الحظ؛ وهذا معناه ومن خلق لشي ء يسّر له. (مقد 2، 923، 9)

-أما المنجّمون فيستندون في حدثان الدول على الخصوص إلى كتاب الجفر، ويزعمون أن فيه علم ذلك كله من طريق الآثار والنجوم، لا يزيدون على ذلك، ولا يعرفون أصل ذلك ولا مستنده. واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي- وهو رأس الزيدية- كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص. وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذي يقع لمثلهم من الأولياء. وكان مكتوبا عند جعفر في جلد ثور صغير، فرواه عنه هارون العجلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت