يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشكّتهم وشاراتهم يوم الزينة، فيباهي بهم الدول المسالمة، ويرهب الدول المحاربة. وهذا آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة.
لأنّهم في هذه الأطوار كلها مستقلّون بآرائهم، بانون لعزّهم، موضحون الطرق لمن بعدهم. الطور الرابع: طور القنوع والمسالمة. ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما بنى أولوه، سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله، مقلّدا للماضين من سلفه، فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل، ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء، ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنّهم أبصر بما بنوا من مجده. الطور الخامس:
طور الإسراف والتبذير. ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أوّلوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه، واصطناع أخدان السوء وخضراء الدّمن، وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلّون بحملها، ولا يعرفون ما يأتون ويذرون منها، مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه، حتى يضطغنوا عليه، ويتخاذلوا عن نصرته، مضيعا من جنده بما أنفق أعطياتهم في شهواته، وحجب عنهم وجه مباشرته وتفقده. فيكون مخرّبا لما كان سلفه يؤسّسون، وهادما لما كانوا يبنون. وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه، ولا يكون لها معه برء، إلى أن تنقرض، كما نبيّنه في الأحوال التي نسردها. (مقد 2، 553، 12)
-إنّ الأمّة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء، والسبب في ذلك واللّه أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم، فيقصر الأمل ويضعف التناسل؛ والاعتمار إنّما هو عن جدّة الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية. فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبيّة ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم، تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم، وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم، بما خضد الغلب من شوكتهم، فأصبحوا مغلّبين لكل متغلّب وطعمة لكل آكل؛ وسواء كانوا حصلوا على غلبتهم من الملك أو لم يحصلوا. وفيه واللّه أعلم سر آخر وهو أنّ الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له؛ والرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غاية عزّه تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده؛ وهذا موجود في أخلاق الأناسي. ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة، وإنها لا تسافد إذا كانت في ملكة الآدميين فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص واضمحلال إلى أن يأخذهم الفناء.
(مقد 2، 511، 16)
-الجباية أوّل الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة، وآخر الدولة تكون كثيرة