-إنّ الظّفر في الحروب إنّما يقع ... بأمور نفسانيّة وهميّة، وإن كان العدد والسلاح وصدق القتال كفيلا به، لكنه قاصر مع تلك الأمور الوهميّة كما مرّ؛ ولذلك كان الخداع من أنفع ما يستعمل في الحرب وأكثر ما يقع الظّفر به؛ وفي الحديث:
«الحرب خدعة» . (مقد 2، 766، 3)
-إنّ الظلم مؤذن بخراب العمران: اعلم أنّ العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك. وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب.
فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب، كذلك لذهابه الآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها. وإن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته.
والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنّما هو بالأعمال وسعى الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين. فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران، وانتقضت الأحوال وابذعرّ الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها. فخفّ ساكن القطر، وخلت دياره، وخربت أمصاره، واختلّ باختلاله حال الدولة والسلطان؛ لما أنّها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة. (مقد 2، 741، 15)
-لا تحسبنّ الظلم إنّما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعمّ من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد أو عصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقّا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه. فجباة الأموال بغير حقها ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وغصّاب الأملاك على العموم ظلمة؛ ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله. (مقد 2، 743، 19)
-من أشدّ الظلمات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأعمال وتسخير الرعايا بغير حق. وذلك أنّ الأعمال من قبيل المتموّلات ... لأنّ الرزق والكسب إنّما هو قيم أعمال أهل العمران. فإذا مساعيهم وأعمالهم كلها متموّلات ومكاسب لهم،