والأجيال والأعصار فهو أسّ للمؤرّخ تنبني عليه أكثر مقاصده وتتبيّن به أخباره. وقد كان الناس يفردونه بالتأليف؛ كما فعله المسعودي في كتاب مروج الذهب؛ شرح فيه أحوال الأمم والآفاق لعهده في عصر الثلاثين والثلاثمائة غربا وشرقا، وذكر نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدول وفرق شعوب العرب والعجم؛ فصار إماما للمؤرّخين يرجعون إليه، وأصلا يعوّلون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه. (مقد 1، 325، 4)
-حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحّش والتأنّس والعصبيات وأصناف التغلّبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. (مقد 1، 328، 5)
-من الغلط الخفيّ في التاريخ الذهول عن تبدّل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدّل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دويّ شديد الخفاء، إذ لا يقع إلّا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطّن له إلا الآحاد من أهل الخليقة. وذلك أنّ أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقرّ، إنّما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول.
(مقد 1، 320، 15)
تبدّل الأحوال والعوائد
-السبب الشائع في تبدّل الأحوال والعوائد، أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه، كما يقال في الأمثال الحكميّة: «الناس على دين الملك» . وأهل الملك والسلطان إذ استولوا على الدولة والأمر فلا بدّ وأن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذوا الكثير منها ولا يغفلوا عوائد جيلهم مع ذلك.
فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول. فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشي ء؛ وكانت للأولى أشدّ مخالفة. ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة. فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك والسلطان، لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة. (مقد 1، 321، 10)
تجّار
-إنّ التجّار في غالب أحوالهم إنّما يعانون البيع والشراء، ولا بدّ فيه من المكايسة ضرورة. فإن اقتصر عليها اقتصرت به على خلقها؛ وهي، أعني خلق المكايسة، بعيدة