فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 1207

إن التصوّرات الذهنية وجدانية ومجرّدة، عقلية ومحسوسة، والتي نسمّيها أفكارا، لا يمكنها أن تتحقّق عند صاحبها وتنتقل منه إلى فرد آخر إلّا بواسطة اللغة، إذ تتشيّأ الأفكار إشارات ورموزا وأصواتا بانكسابها في أنواع من الألفاظ وأنماط من الصيغ تشكّل بمجملها ما يعرف بالبنيان اللغوي.

فواحدنا يفكّر لسانا ويتواصل لغة.

ولكل بنيان لغوي، أو لغة، سيرورة تاريخية تحكم تطوّر الألفاظ وتبدّل مدلولات معانيها في المحطّات التاريخية الحضارية المتتالية؛ وبنية خاصة تميّزها عن غيرها من اللغات تعقل وتضبط تطوّر مصطلحاتها في مدلولاتها وإيحاءاتها. والعربية من أشدّ اللغات جمعا لهذين البعدين: السيرورة التاريخية ونسق البنية الخاص.

ولعلّ الجرجاني خير من أماط اللثام عن هذه السيرورة التاريخية في تطوّر مدلولات الألفاظ إذ قال: «الاصطلاح عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشي ء باسم ما ينقل عن موضعه الأوّل» ، مشيرا إلى كيفية استخدام ألفاظ سابقة للدلالة على معان حادثة في الذهن أو وافدة على القوم. ويتابع الجرجاني قائلا: وهكذا يخرج «اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما» . أي لتشابه بينهما، ولنأخذ لفظة الواجب مثالا على ذلك، فالوجبة لغة هي السقطة مع الهوّة ووجب وجبة تعني سقط إلى الأرض «1» . هذا لسان

(1) ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب، بيروت، دار صادر، 1/ 794.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت