فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 1207

العرب في جاهليتهم وذهنيتهم الأعرابية. أما بعد أن شرح اللّه قلوبهم للإسلام فقد اكتسب الواجب دلالة حادثة هي الدلالة الدينية. فالواجب في القرآن الكريم يعني الأمر الإلهي الذي وجب فعله ولا خيار فيه بحسب اتفاق أرباب مذاهب الكلام وعلم الأصول. ونجد إذ ذاك وجه الاتّصال بين المعنيين:

السقوط من الأعلى لغة، والسقوط من اللّه الأعلى بتنزيل آمر إلى المكلّف وما بينهما من هوّة بالمعنى الديني.

مثال آخر على نقلة اللفظة والمصطلح: الشرع والشريعة والشّرعة: ما سنّ اللّه من الدين وأمر به، بينما شرع لغة يشرع الوارد شرعا أي تناول الماء بفيه «1» ، أي تناول العنصر الضروري للحياة، لما للماء من مكانة عند الساميين. وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ ءٍ حَيٍ «2» وهكذا انتقل اللفظ من مدلوله المجرّب المحسوس المنغرس في ذهنية العربي إلى مدلول الكلام والمعنى المشرّع المأمور به، أي المعاني والأحكام الضرورية لاستقامة حياة الإنسان والمأخوذة من اللّه سبحانه وتعالى، النبعة الأولى. هذا الرابط والتشابه بين مدلولات اللفظ هو ما يسمّيه الجرجاني ب «المناسبة» بين المعنيين.

ثم يتابع الجرجاني تعريفه للاصطلاح بالقول: وهو «اتفاق طائفة على وضع اللفظ إزاء المعنى» ، هذا ما يفعله أهل اللغات الأوروبية في زماننا إذ أصبحت اللغة بنيانا آليّا لديهم (ميكانيكيّا) تتحوّل به الكلمة من صورة إلى رمز يرتبط بالمعنى عرضا واتّفاقا، من مثل أن يقول أهل الطب بالانكليزية « hyper calcemia والتي يقصدون بها ارتفاع معدّل الكلس في الدم كما يحدث لبعض مرضى السرطان. واللفظة منقوشة برصف مقاطع ذات أصول يونانية ولاتينية.

ف « hyper تعني الزيادة والإفراط «3» ، ومقطع « emia مشتقّ من hemato الإغريقية والتي تعني الدم «4» ، أما ال calcium فهو عنصر الكلس. هكذا تصاغ

(1) لسان العرب، 8/ 175.

(2) الأنبياء/ 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت