فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 1207

هذه اللفظة وتركّب مقطعيّا من جذورها اللغوية بحسب علم اشتقاق الألفاظ الغربي « etymologie . ومن خلال هذا المثال الإفرنجي يتّضح لنا البعد الثاني وهو البنية الخاصة للغة. والعربية لغة سامية يكون استحداث واشتقاق اللفظ والمصطلح فيها على تفعيلات وأوزان ترتدّ جميعها إلى الأصل الثلاثي، منه تنطلق وإليه تعود. ولعلّ هذا يرجع في أثره إلى قدم اللغات السامية ومنها العربية وتقدّمها في الزمن على الكتابة. فالساميّات لغات شفوية سماعية ثم مكتوبة ومقروءة أي مرئيّة. أما اللغات الأوروبية جميعها فحديثة العهد نسبيّا، بل إن أصولها اللاتينية والإغريقية لاحقة زمنيّا على الكتابة، ازدهرت وتطوّرت بعد ابتداع الكنعانيين ومعاصريهم من الساميين للأبجدية والكتابة.

فالعربية سماعية ثم مرئية، أما اللغات الأوروبية فهي في أغلبها مرئية.

ولعلّ الجرجاني الذي نظم الكتاب بالفارسية كما تقدّم، وعاش المرحلة التركية والمغولية، قد أدرك التباين والتشابه بين الألسن المختلفة وأعمل الفكر في هذه المسألة. ويكاد يكون أصدق من وصف هذا المنحى اللفظي هو الفارابي في الحروف إذ قال: «إذا حدثت ملّة في أمة ... فإذا احتاج واضع الملّة أن يجعل لها أسماء، فإما أن يخترع لها أسماء لم تكن تعرف عندهم قبله، وإما أن ينقل إليها أسماء أقرب الأشياء التي لها أسماء عندهم شبها بالشرائع التي وضعها ... وكذلك ... احتاج أهلها إلى أن ينطقوا عن معان لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك، فيفعلون فيها أحد ذينك» «1» .

لقد كان الفارابي المتقدّم على الجرجاني زمنا يتحدّث عن دخول ملل الفلاسفة والمناطقة في أمة الإسلام، أما في زمان الجرجاني فدخلت ملل المغول والترك أمة الإسلام. وربما ارتأى الجرجاني حفظ الألفاظ بسبب فوضى الألسنة فصرف دأب جهده إلى التعريفات.

إن للغة وظيفتين رئيسيتين «2» : إحداهما هي الوظيفة المعرفية التي

(1) الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، بيروت، دار المشرق، 1970 م، ص 157.

(2) حسب توجّه حلقة فيينا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت