بالحلف تتنزّل منزلة ذلك؛ لأنّ أمر النسب وإن كان طبيعيّا فإنّما هو وهميّ، والمعنى الذي كان به الالتحام إنّما هو العشرة والمدافعة وطول الممارسة والصحبة بالمربى والرضاع وسائر أحوال الموت والحياة. وإذا حصل الالتحام بذلك جاءت النعرة والتناصر، وهذا مشاهد بين الناس.
واعتبر مثله في الاصطناع؛ فإنّه يحدث بين المصطنع ومن اصطنعه نسبة خاصّة من الوصلة تتنزّل هذه المنزلة وتؤكّد اللحمة؛ وإن لم يكن نسب فثمرات النسب موجودة. (مقد 2، 568، 21)
-اعلم أنّ المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرزق والسعي في تحصيله، وهو مفعل من العيش. كأنّه لمّا كان العيش الذي هو الحياة لا يحصل إلّا بهذه جعلت موضعا له على طريق المبالغة. ثم إن تحصيل الرزق وكسبه: إمّا أن يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمّى مغرما وجباية. وإمّا أن يكون من الحيوان الوحشي باقتناصه وأخذه برميه من البر أو البحر ويسمّى اصطيادا.
(مقد 2، 911، 1)
-صناعة الغناء: هذه الصناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة يوقع على كل صوت منها توقيعا عند قطعه فيكون نغمة، ثم تؤلّف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متعارفة، فيلذّ سماعها لأجل ذلك التناسب، وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات. وذلك أنه تبيّن في علم الموسيقى أن الأصوات تتناسب فيكون:
صوت؛ نصف صوت؛ وربع آخر؛ وخمس آخر؛ وجزءا من أحد عشر من آخر.
واختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع يخرجها من البساطة إلى التركيب.
(مقد 2، 976، 11)
-الأصوات لها كيفيات من الهمس والجهر والرخاوة والشدّة والقلقلة والضغط وغير ذلك، والتناسب فيها هو الذي يوجب لها الحسن. فأولا أن لا يخرج من الصوت إلى ضدّه دفعة بل بتدريج، ثم يرجع كذلك، وهكذا إلى المثل، بل لا بدّ من توسّط المغاير بين الصوتين. وتأمّل هذا من افتتاح أهل اللسان التراكيب من الحروف المتنافرة أو المتقاربة المخارج، فإنه من بابه. وثانيا تناسبها في الأجزاء ... فيخرج من الصوت إلى نصفه أو ثلثه أو جزء من كذا منه، على حسب ما يكون التنقّل مناسبا على ما حصره أهل الصناعة.
فإذا كانت الأصوات على تناسب في الكيفيات كما ذكره أهل تلك الصناعة كانت ملائمة ملذوذة. ومن هذا التناسب ما يكون بسيطا ويكون الكثير من الناس مطبوعا عليه لا يحتاجون فيه إلى تعليم ولا صناعة، كما نجد المطبوعين على الموازين الشعرية وتوقيع الرقص وأمثال ذلك.
وتسمّي العامة هذه القابلية بالمضمار.
(مقد 2، 978، 19)