فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 1207

فجور وعدوان ومذموم عنده كما هو مقتضى الحكمة السياسية. وما كان منه بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضا، لأنه بغير نور اللّه وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (النور: 40) لأنّ الشارع أعلم بمصالح الكافّة فيما هو مغيب عنهم من أمور آخرتهم؛ وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم، من ملك أو غيره؛ قال صلى اللّه عليه وسلم: «إنّما هي أعمالكم ترد عليكم» (العجلوني، كشف الخفاء ومزيل الالباس، ح 653، 1/ 250) ؛ وأحكام السياسة إنّما تطلع على مصالح الدنيا فقط: يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا (الروم: 7) ؛ ومقصود الشارع بالناس صلاح آخرتهم. فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافّة على الأحكام الشرعيّة في أحوال دنياهم وآخرتهم. وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء. (مقد 2، 578، 4)

-إنّ خلق التجارة نازلة عن خلق الرؤساء وبعيدة من المروءة: .. إنّ التاجر مدفوع إلى معاناة البيع والشراء وجلب الفوائد والأرباح، ولا بدّ في ذلك من المكايسة والمماحكة والتحذلق وممارسة الخصومات واللّجاج، وهي عوارض هذه الحرفة.

وهذه الأوصاف نقص من الزكاء والمروءة وتجرح فيها؛ لأنّ الأفعال لا بدّ من عود آثارها على النفس، فأفعال الخير تعود بآثار الخير والزكاء، وأفعال الشر والسفسفة تعود بضدّ ذلك، فتتمكّن وترسّخ إن سبقت وتكرّرت، وتنقص خلال الخير إن تأخّرت عنها، بما يتطبّع من آثارها المذمومة في النفس، شأن الملكات الناشئة عن الأفعال. وتتفاوت هذه الآثار بتفاوت أصناف التجّار في أطوارهم فمن كان منهم سافل الطور محالفا لأشرار الباعة أهل الغشّ والخلابة والفجور في الأثمان إقرارا وإنكارا، كانت رداءة تلك الخلق عنده أشدّ، وغلبت عليه السفسفة، وبعد عن المروءة واكتسابها بالجملة. وإلّا فلا بدّ له من تأثير المكايسة والمماحكة في مروءته. وفقدان ذلك منهم في الجملة، ووجود الصنف الثاني منهم الذي قدّمناه في الفصل قبله أنهم يدّرعون بالجاه ويعوّض لهم من مباشرة ذلك، فهم نادر وأقل من النادر. وذلك أن يكون المال قد يوجد عنده دفعة بنوع غريب أو ورثه عن أحد من أهل بيته، فحصلت له ثروة تعينه على الاتصال بأهل الدولة وتكسبه ظهورا وشهرة بين أهل عصره، فيرتفع عن مباشرة ذلك بنفسه، ويدفعه إلى من يقوم له به من وكلائه وحشمه، ويسهّل له الحكام النّصفة في حقوقهم بما يؤنسونه من برّه وإتحافه فيبعدونه عن تلك الخلق بالبعد عن معاناة الأفعال المقتضية لها كما مرّ، فتكون مروءتهم أرسخ وأبعد عن تلك المحاجاة، إلا ما يسري من آثار تلك الأفعال من وراء الحجاب، فإنّهم يضطرّون إلى مشارفة أحوال أولئك الوكلاء ووفاقهم أو خلافهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت