فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 1207

كانت الوصلة ظاهرة؛ فاستدعت ذلك بمجرّدها ووضوحها. وإذا بعد النسب بعض الشي ء فربما تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة فتحمل على النّصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه، فرارا من الغضاضة التي يتوهّمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه. ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل واحد على أهل ولائه وحلفه للأنفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب؛ وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريبا منها.

ومن هذا تفهم معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» (سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في تعليم النسب، ح 1979، 4/ 351) ؛ بمعنى أنّ النسب إنّما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنّعرة، وما فوق ذلك مستغنى عنه؛ إذ النسب أمر وهميّ لا حقيقة له؛ ونفعه إنّما هو في هذه الوصلة والالتحام. فإذا كان ظاهرا واضحا حمل النفوس على طبيعتها من النّعرة كما قلناه. وإذا كان إنّما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الشغل به مجانا ومن أعمال اللهو المنهي عنه. ومن هذا الاعتبار معنى قولهم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر؛ بمعنى أنّ النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس، وانتفت النّعرة التي تحمل عليها العصبية فلا منفعة فيه حينئذ.

(مقد 2، 484، 15)

-لم يكن لاطّراح العرب أمر النسب، وإنما كان لاختصاصهم بالمواطن بعد الفتح حتى عرفوا بها، وصارت لهم علامة زائدة على النسب يتميّزون بها عند أمرائهم. ثم وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم، وفسدت الأنساب بالجملة وفقدت ثمرتها من العصبية فاطّرحت ثم تلاشت القبائل ودثرت، فدثرت العصبية بدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان.

(مقد 2، 486، 13)

-ثمرة الأنساب وفائدتها إنما هي العصبية للنّعرة والتناصر، فحيث تكون العصبية مرهوبة ومخشية والمنبت فيها زكي محمي تكون فائدة النسب أوضح وثمرتها أقوى.

وتعديد الأشراف من الآباء زائد في فائدتها. فيكون الحسب والشرف أصليين في أهل العصبية لوجود ثمرة النسب.

وتفاوت البيوت في أهل الشرف بتفاوت العصبية؛ لأنه سرّها. (مقد 2، 492، 2)

-تنتقل الحضارة من الدول السالفة إلى الدول الخالفة: فانتقلت حضارة الفرس للعرب بني أميّة وبني العباس، وانتقلت حضارة بني أميّة بالأندلس إلى ملوك المغرب من الموحّدين وزناتة لهذا العهد؛ وانتقلت حضارة بني العباس إلى الديلم ثم إلى الترك ثم إلى السلجوقيّة ثمّ الترك المماليك بمصر والتتر بالعراقين. وعلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت