-جاءت دولة الترك آخرا بمصر، فرأوا أنّ الوزارة قد ابتذلت بترفّع أولئك عنها ودفعها لمن يقوم بها للخليفة المحجور، ونظره مع ذلك متعقّب بنظر الأمير، فصارت مرءوسة ناقصة، فاستنكف أهل هذه الرتبة العالية في الدولة عن اسم الوزارة. وصار صاحب الأحكام والنظر في الجند يسمّى عندهم بالنائب لهذا العهد، وبقي اسم الحاجب في مدلوله، واختصّ اسم الوزير عندهم بالنظر في الجباية. (مقد 2، 670، 6)
- (الحجابة) : قد قدّمنا (ابن خلدون) أن هذا اللقب كان مخصوصا في الدولة الأمويّة والعباسيّة بمن يحجب السلطان عن العامّة ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره في مواقيته. وكانت هذه منزّلة يومئذ عن الخطط مرءوسة لها؛ إذ الوزير متصرّف فيها بما يراه. وهكذا كانت سائر أيام بني العباس وإلى هذا العهد. فهي مرءوسة لصاحب الخطّة العليا المسمّى بالنائب.
وأمّا في الدولة الأموية بالأندلس فكانت الحجابة لمن يحجب السلطان عن الخاصّة والعامّة، ويكون واسطة بينه وبين الوزراء فمن دونهم. (مقد 2، 671، 12)
-أمّا هذه الرتبة (ديوان الخراج والجبايات) في دولة الترك فمتنوّعة. وصاحب ديوان العطاء يعرف بناظر الجيش. وصاحب المال مخصوص باسم الوزير، وهو الناظر في ديوان الجباية العامّة للدولة، وهو أعلى رتب الناظرين في الأموال، لأنّ النظر في الأموال عندهم يتنوّع إلى رتب كثيرة لانفساح دولتهم، وعظمة سلطانهم، واتّساع الأموال والجبايات عن أن يستقل بضبطها الواحد من الرجال، ولو بلغ في الكفاية مبالغه، فتعيّن للنظر العام منها هذا المخصوص باسم الوزير. وهو مع ذلك رديف لمولى من موالي السلطان وأهل عصبيته وأرباب السيوف في الدولة، يرجع نظر الوزير إلى نظره، ويجتهد جهده في متابعته، ويسمّى عندهم أستاذ الدولة؛ وهو أحد الأمراء الأكابر في الدولة من الجند وأرباب السيوف. ويتبع هذه الخطّة خطط عندهم أخرى كلها راجعة إلى الأموال والحسبان مقصورة النظر على أمور خاصّة مثل ناظر الخاص، وهو المباشر لأموال السلطان الخاصّة به من إقطاعه أو سهمانه من أموال الخراج وبلاد الجباية مما ليس من أموال المسلمين العامة. وهو تحت يد الأمير أستاذ الدار. وإن كان الوزير من الجند فلا يكون لأستاذ الدار نظر عليه.
وناظر الخاص تحت يد الخازن لأموال السلطان من مماليكه المسمّى خازن الدار لاختصاص وظيفتهما بمال السلطان الخاص. (مقد 2، 679، 13)