فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 1207

مميّزة للسيّد عن المولى، ولأهل القرابة عن أهل الولاية والاصطناع، لما تقتضيه أحوال الرئاسة والملك من تميّز الرتب وتفاوتها، فتتميّز حالتهم ويتنزّلون منزلة الأجانب، ويكون الالتحام بينهم أضعف والتناصر لذلك أبعد، وذلك أنقص من الاصطناع قبل الملك. الوجه الثاني أنّ الاصطناع قبل الملك يبعد عهده عن أهل الدولة بطول الزمان، ويخفى شأن تلك اللحمة، ويظنّ بها في الأكثر النّسب فيقوى حال العصبيّة. وأمّا بعد الملك فيقرب العهد ويستوي في معرفته الأكثر، فتبيّن اللحمة وتتميّز عن النسب فتضعف العصبيّة بالنسبة إلى الولاية التي كانت قبل الدولة.

واعتبر ذلك في الدول والرئاسات تجده.

فكل من كان اصطناعه قبل حصول الرئاسة والملك لمصطنعه تجده أشدّ التحاما به، وأقرب قرابة إليه، ويتنزّل منه منزلة أبنائه وإخوانه وذوي رحمه. ومن كان اصطناعه بعد حصول الملك والرئاسة لمصطنعه لا يكون له من القرابة واللحمة ما للأوّلين.

وهذا مشاهد بالعيان؛ حتى إن الدولة في آخر عمرها ترجع إلى استعمال الأجانب واصطناعهم، ولا يبنى لهم مجد كما بناه المصطنعون قبل الدولة، لقرب العهد حينئذ بأوّليتهم ومشارفة الدولة على الانقراض، فيكونون منحطين في مهاوي الضعة. وإنما يحمل صاحب الدولة على اصطناعهم والعدول إليهم عن أوليائها الأقدمين وصنائعها الأولين ما يعتريهم في أنفسهم من العزّة على صاحب الدولة، وقلّة الخضوع له، ونظره بما ينظره به قبيله وأهل نسبه، لتأكّد اللحمة منذ العصور المتطاولة بالمربى والاتصال بآبائه وسلف قومه، والانتظام مع كبراء أهل بيته؛ فيحصل لهم بذلك دالّة عليه واعتزاز؛ فينافرهم بسببها صاحب الدولة، ويعدل عنهم إلى استعمال سواهم؛ ويكون عهد استخلاصهم واصطناعهم قريبا، فلا يبلغون رتب المجد، ويبقون على حالهم من الخارجية. وهكذا شأن الدول في أواخرها. وأكثر ما يطلق اسم الصنائع والأولياء على الأوّلين. وأمّا هؤلاء المحدثون فخدم وأعوان. (مقد 2، 569، 7)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت