فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 1207

-اعلم أن اللّه سبحانه خلق هذا الإنسان مركّبا من جثمان ظاهر، وهيكل محسوس وهو الجسد، ومن لطيفة ربانية أودعه إيّاها وأركبها مطيّة بدنه، وهذه اللطيفة مع البدن بمنزلة الفارس مع الفرس، والسلطان مع الرعية، تصرّف البدن في طوعها، وتحرّكه في إرادتها، لا يملك عليها شيئا، ولا يقدر على معاصاتها طرفة عين، لما ملكها اللّه من أمره، وبثّ من قواها فيه، وهي التي يعبّر عنها في الشرع تارة بالروح، وتارة بالقلب، وتارة بالعقل، وتارة بالنفس، وإن كانت هذه الألفاظ مشتركة بينها وبين مدلولات أخرى. (شف، 18، 18)

-اعلم أن هذه اللطيفة (الربّانية) لما ارتكبت مطية البدن وبثّت قواها فيه للاستكمال بحياتها الدنيا، ثم كانت من عالم الأمر والملكوت، تعيّنت لها جهتان تكتسب منهما كمالها بالعلوم والمعارف، إحداهما جهة هذه الحياة الدنيا التي خلقت لها، وجميع ما فيها مسخّر لها، والأخرى جهة عالمها الذي نشأتها منه، وذاتها من طبيعة ذواته؛ فجهة الحياة الدنيا والعالم الأسفل تكتسب منها العلوم والمعارف ببسط أحوال الحواس الظاهرة على المدركات بانتزاع صورها في الخيال، ثم تجريد المعاني المعقولة منها، ثم تصرف الفكر فيها بالتركيب والتحليل ونظم الأقيسة حتى يحصل مطلوبها الذي تتوجّه إليها، ويسمّى هذا العلم كسبيا؛ وجهة العالم الأعلى وعالم الأمر وعالم الروحانيات تكتسب منه بتصفيتها عن كدورات الرذائل وتخليصها من ظلم البشرية، فتتعرّض بذلك لنفحات الرحمة، ومهبّ الكمال والسعادة، فتلوح أنوار العلم والمعرفة في القلب. ثم إن صفاءها عن الكدرات، وتخليصها بالمجاهدة، إن كان بغريزة مركوزة في الجبلة من لدن نشوئه- وهي العصمة- مانعة من مقارفة جميع ما تتوهّم فيه مخالفة، وكانت الظلم البشرية ممحوّة، وحظّ الشيطان منزوعا من القلب بنور النبوّة كان العلم اللائح من ذلك العالم بسبب يورده ويلقيه مع مشاهدة المورد له وهو الملك، وهذا هو الوحي، وهو علم الأنبياء صلوات اللّه عليهم، وهو أرفع مراتب العلم. وأما إن كانت التصفية والتخليص باكتساب وطريق صناعي، فإن العلم المفاد عنه لا يشعر بسببه ولا مورده، وإنما يكون نفثا في الروع وهو دون العلم الأول، وهذه علوم الأولياء والصديقين، وهي العلوم الإلهامية والكشفية واللدنية. (شف، 21، 13)

-لما فطر (اللّه عزّ وجلّ) هذه اللطيفة الربانية على الاستكمال بالمعرفة والعلم بحقائق تلك الموجودات وصفات موجدها جعل لها جانبين: جانب تجاه الوجود الحسّي يؤدّي إليها صور تلك الوجودات ينتزعها الحسّ من الموجودات انتزاعا، ثم يجرّد العقل معانيها تجريدا ثم يرتّبها الخيال والفكر ترتيبا مفيدا. وجانب تجاه ذلك اللوح يتعرّض به إلى انطباع صور تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت