فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 1207

والأوطان لا تزيد عليها، والسبب في ذلك أنّ عصابة الدولة وقومها القائمين بها الممهدين لها لا بدّ من توزيعهم حصصا على الممالك والثغور التي تصير إليهم، ويستولون عليها لحمايتها من العدو، وإمضاء أحكام الدولة فيها من جباية وردع وغير ذلك. فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك فلا بدّ من نفاد عددها، وقد بلغت للمالك حينئذ إلى حدّ يكون ثغرا للدولة؛ وتخما لوطنها؛ ونطاقا لمركز ملكها. فإن تكلّفت الدولة بعد ذلك زيادة على ما بيدها بقي دون حامية وكان موضعا لانتهاز الفرصة من العدوّ والمجاور؛ ويعود وبال ذلك على الدولة، بما يكون فيه من التجاسر وخرق سياج الهيبة. وما كانت العصابة موفورة ولم ينفد عددها في توزيع الحصص على الثغور والنواحي، بقي في الدولة قوّة على تناول ما وراء الغاية، حتى ينفسح نطاقها إلى غايته. والعلّة الطبيعيّة في ذلك هي قوّة العصبيّة من سائر القوى الطبيعيّة، وكل قوة يصدر عنها فعل من الأفعال فشأنها ذلك في فعلها. والدولة في مركزها أشدّ مما يكون في الطرف والنطاق. وإذا انتهت إلى النطاق الذي هو الغاية عجزت وأقصرت عمّا وراءه. (مقد 2، 532، 18)

عصبيّة

-أمّا أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشايخهم وكبراؤهم بما وقر في نفوس الكافّة لهم من الوقار والتّجلّة. وأمّا حللهم فإنّما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم. ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلّا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد؛ لأنّهم بذلك تشتدّ شوكتهم ويخشى جانبهم؛ إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم؛ وما جعل اللّه في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقربائهم موجودة في الطبائع البشريّة، وبها يكون التعاضد والتناصر، وتعظم رهبة العدو لهم ... وأمّا المتفرّدون في أنسابهم فقلّ أن تصيب أحدا منهم نعرة على صاحبه. فإذا أظلم الجو بالشرّ يوم الحرب تسلّل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه خيفة واستيحاشا من التخاذل. فلا يقدرون من أجل ذلك على سكنى القفر لما أنّهم حينئذ طعمة لمن يلتهمهم من الأمم سواهم. وإذا تبيّن ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبيّن لك في كل أمر يحمل الناس عليه من نبوّة أو إقامة ملك أو دعوة؛ إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتمّ بالقتال عليه، لما في طبائع البشر من الاستعصاء، ولا بدّ في القتال من العصبية كما ذكرناه آنفا.

(مقد 2، 483، 4)

-العصبية ... بها يكون التعاضد والتناحر.

(مقد 2، 483، 7)

-إن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب ... وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلّا في الأقل. ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت