أنّ هذا العمران ضروري للبشر وأنّ رعاية مصالحه كذلك لئلا يفسد إن أهملت؛ وقدّمنا أنّ الملك وسطوته كاف في حصول هذه المصالح. نعم إنما تكون أكمل إذا كانت بالأحكام الشرعية لأنّه أعلم بهذه المصالح. فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميّا ويكون من توابعها. وقد ينفرد إذا كان في غير الملّة.
وله على كل حال مراتب خادمة ووظائف تابعة تتعيّن خططا، وتتوزّع على رجال الدولة وظائف، فيقوم كل واحد بوظيفته حسبما يعيّنه الملك الذي تكون يده عالية عليهم، فيتمّ بذلك أمره، ويحسن قيامه بسلطانه. وأمّا المنصب الخلافي وإن كان الملك يندرج تحته بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرّفه الديني يختصّ بخطط ومراتب لا تعرف إلّا للخلفاء الإسلاميين.
(مقد 2، 624، 17)
-إنّ الاجتماع للبشر ضروريّ، وهو معنى العمران الذي نتكلّم فيه، وأنّه لا بدّ لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه.
وحكمه فيهم: تارة يكون مستندا إلى شرع منزل من عند اللّه يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلّغه؛ وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادها إليها ما يتوقّعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم. فالأولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة، ولمراعاته نجاة العباد في الآخرة؛ والثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط. (مقد 2، 773، 6)
-إنّ السياسة العقليّة ... تكون على وجهين. أحدهما يراعي فيها المصالح على العموم ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص. وهذه كانت سياسة الفرس وهي على جهة الحكمة. وقد أغنانا اللّه تعالى عنها في الملّة ولعهد الخلافة، لأنّ الأحكام الشرعيّة مغنية عنها في المصالح العامّة والخاصّة والآداب، وأحكام الملك مندرجة فيها. الوجه الثاني أن يراعي فيها مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة، وتكون المصالح العامّة في هذه تبعا. وهذه السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع التي لسائر الملوك في العالم من مسلم وكافر: إلّا أنّ ملوك المسلمين يجرون منها على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية بحسب جهدهم؛ فقوانينها إذا مجتمعة من أحكام شرعيّة، وآداب خلقية، وقوانين في الاجتماع طبيعيّة، وأشياء من مراعاة الشوكة والعصبيّة ضروريّة؛ والاقتداء فيها بالشرع أوّلا، ثم الحكماء في آدابهم والملوك في سيرهم. (مقد 2، 774، 3)
سياسة عقليّة وسياسة دينية
-لمّا كانت حقيقة الملك أنّه الاجتماع الضروريّ للبشر، ومقتضاه التغلّب والقهر اللذان هما من آثار الغضب والحيوانيّة، كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن