-إنّ الدينار والدرهم مختلفا السكّة في المقدار والموازين بالآفاق والأمصار وسائر الأعمال. والشرع قد تعرّض لذكرهما وعلّق كثيرا من الأحكام بهما في الزكاة والأنكحة والحدود وغيرها. فلا بدّ لهما عنده من حقيقة ومقدار معيّن في تقدير تجري عليهما أحكامه دون غير الشرعيّ منهما. فاعلم أنّ الإجماع منعقد منذ صدر الإسلام وعهد الصحابة والتابعين أنّ الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب والأوقيّة منه أربعين درهما، وهو على هذا سبعة أعشار الدينار. ووزن المثقال من الذهب اثنان وسبعون حبّة من الشعير. فالدرهم، الذي هو سبعة أعشاره، خمسون حبّة وخمسا حبّة، وهذه المقادير كلّها ثابتة بالإجماع.
فإنّ الدرهم الجاهلي كان بينهم على أنواع أجودها الطبري، وهو أربعة دوانق، والبغلي وهو ثمانية دوانق، فجعلوا الشرعيّ بينهما وهو ستة دوانق. فكانوا يوجبون الزكاة في مائة درهم بغلية ومائة طبرية خمسة دراهم وسطا. (مقد 2، 703، 6)
-الكتابة من بين الصنائع أكثر إفادة لذلك، لأنّها تشتمل على العلوم والأنظار بخلاف الصنائع. وبيانه أنّ في الكتابة انتقالا من الحروف الخطيّة إلى الكلمات اللفظيّة في الخيال، ومن الكلمات اللفظيّة في الخيال إلى المعاني التي في النفس، وذلك دائما.
فيحصل لها ملكة الانتقال من الأدلّة إلى المدلولات وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب العلوم المجهولة، فيكسب بذلك ملكة من التعقّل تكون زيادة عقل، ويحصل به قوة فطنة وكيس في الأمور لما تعود من ذلك الانتقال. ولذلك قال كسرى في كتّابه لما رآهم بتلك الفطنة والكيس، فقال «ديوانه» أي شياطين وجنون. قالوا وذلك أصل اشتقاق الديوان لأهل الكتابة.
(مقد 2، 984، 14)
- (ديوان الأعمال والجبايات) : اعلم أنّ هذه الوظيفة من الوظائف الضروريّة للملك، وهي القيام على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدّخل والخرج وإحصاء العساكر بأسمائهم، وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم في إبّاناتها والرجوع في ذلك إلى القوانين التي يرتّبها قومة تلك الأعمال، وقهارمة الدولة وهي كلها مسطورة في كتاب شاهد بتفاصيل ذلك في الدّخل والخرج مبنيّ على جزء كبير من الحساب لا يقوم به إلا المهرة من أهل تلك الأعمال؛ ويسمّى ذلك الكتاب بالديوان، وكذلك مكان جلوس العمّال المباشرين لها. ويقال إن أصل هذه التسمية أن كسرى نظر يوما إلى كتّاب ديوانه وهم يحسبون على أنفسهم كأنهم يحادثون فقال: «ديوانه» أي مجانين بلغة الفرس، فسمّى موضعهم بذلك، وحذفت