وإن دام أمره عليهم وقهره فسدت العصبية لما قلناه أوّلا، وفسد السّياج من أصله بالعجز عن الحماية. وإذا كان رفيقا بهم متجاوزا عن سيّئاتهم استناموا إليه ولاذوا به وأشربوا محبته واستماتوا دونه في محاربة أعدائه، فاستقام الأمر من كل جانب. وأما توابع حسن الملكة فهي النعمة عليهم والمدافعة عنهم: فالمدافعة بها تتمّ حقيقة الملك؛ وأما النعمة عليهم والإحسان لهم فمن جملة الرفق بهم، والنظر لهم في معاشهم، وهي أصل كبير في التحبّب إلى الرعية. (مقد 2، 574، 18)
-الملك غاية طبيعية للعصبية، ليس وقوعه عنها باختيار، إنما هو بضرورة الوجود وترتيبه ... ، وأن الشرائع والديانات وكل أمر يحمل عليه الجمهور فلا بدّ فيه من العصبية، إذ المطالبة لا تتمّ إلا بها ...
فالعصبية ضرورية للملّة وبوجودها يتمّ أمر اللّه منها. (مقد 2، 598، 6)
-الخيّاط إذا أجاد ملكة الخياطة وأحكمها ورسخت في نفسه فلا يجيد من بعدها ملكة النجارة أو البناء، إلّا أن تكون الأولى لم تستحكم بعد ولم ترسخ صبغتها. والسبب في ذلك أنّ الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم دفعة.
ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها. فإذا تلوّنت النفس بالملكة الأخرى وخرجت عن الفطرة ضعف فيها الاستعداد باللون الحاصل من هذه الملكة، فكان قبولها للملكة الأخرى أضعف. وهذا بيّن يشهد له الوجود. فقلّ أن تجد صاحب صناعة يحكمها ثم يحكم من بعدها أخرى ويكون فيهما معا على رتبة واحدة من الإجادة.
(مقد 2، 942، 14)
-إن الحذق في العلم والتفنّن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك المتناول حاصلا. وهذه الملكة هي غير الفهم والوعي؛ لأنّا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفن وبين من هو مبتدئ فيه، وبين العامي الذي لم يحصّل علما وبين العالم النحرير. والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما. فدلّ على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي. والملكات كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ من الفكر وغيره كالحساب. (مقد 3، 1019، 11)
-إن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو