البصر إن كان واحدا، وينتقل إلى تحصيل آخر إن كان متعدّدا، ويصير إلى الظفر بمطلوبه. هذا شأن هذه الطبيعة الفكرية التي تميّز بها البشر من بين سائر الحيوانات. (مقد 3، 1245، 8)
-أمّا الفلاحة والصناعة والتجارة فهي وجوه طبيعيّة للمعاش. أمّا الفلاحة فهي متقدّمة عليها كلّها بالذات إذ هي بسيطة وطبيعيّة فطريّة لا تحتاج إلى نظر ولا علم؛ ولهذا تنسب في الخليقة إلى آدم أبي البشر، وأنّه معلمها والقائم عليها، إشارة إلى أنّها أقدم وجوه المعاش وأنسبها إلى الطبيعة.
(مقد 2، 911، 13)
-إنّ الفلاحة من معاش المستضعفين وأهل العافية من البدو، وذلك لأنّه أصيل في الطبيعة وبسيط في منحاه، ولذلك لا تجد ينتحله أحد من أهل الحضر في الغالب، ولا من المترفين، ويختصّ منتحله بالمذلّة.
(مقد 2، 926، 15)
-اعلم أنّ المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرزق والسعي في تحصيله، وهو مفعل من العيش. كأنّه لمّا كان العيش الذي هو الحياة لا يحصل إلّا بهذه جعلت موضعا له على طريق المبالغة. ثم إن تحصيل الرزق وكسبه: إمّا أن يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمّى مغرما وجباية. وإمّا أن يكون من الحيوان الوحشي باقتناصه وأخذه برميه من البر أو البحر ويسمّى اصطيادا؛ وإمّا أن يكون من الحيوان الداجن باستخراج فضوله المنصرفة بين الناس في منافعهم كاللبن من الأنعام والحرير من دوده والعسل من نحله؛ أو يكون من النبات في الزرع والشجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته، ويسمّى هذا كله فلحا. (مقد 2، 911، 4)
-اعلم أن الكلام الذي هو العبارة والخطاب إنما سرّه وروحه في إفادة المعنى. وأما إذا كان مهملا فهو كالموات الذي لا عبرة به.
وكمال الإفادة هو البلاغة على ما عرفت من حدّها عند أهل البيان؛ لأنهم يقولون:
هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال. ومعرفة الشروط والأحكام التي بها تطابق التراكيب اللفظية مقتضى الحال هو فن البلاغة.
وتلك الشروط والأحكام للتراكيب في المطابقة استقرئت من لغة العرب وصارت كالقوانين. (مقد 3، 1317، 7)
-فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشدّ إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السّوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهّال. إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول،