يجتمع الناس على بيعته، وتتّفق الكلمة، وله بعد ذلك ما شاء من أمره وكان ذلك من سياسة الملك، فأبى فرارا من الغش الذي ينافيه الإسلام. وغدا عليه المغيرة من الغداة فقال لقد أشرت عليك بالأمس بما أشرت ثم عدت إلى نظري فعلمت أنّه ليس من الحق والنصيحة، وأن الحق فيما رأيته أنت. فقال علي: لا واللّه، بل أعلم أنّك نصحتني بالأمس وغششتني اليوم.
ولكن منعني مما أشرت به ذائد الحق.
(مقد 2، 607، 16)
-إنّ العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك:
والسبب في ذلك أنّهم أكثر بداوة من سائر الأمم، وأبعد مجالا في القفر، وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش، فاستغنوا عن غيرهم؛ فصعب انقياد بعضهم لبعض لإيلافهم ذلك وللتوحّش؛ ورئيسهم محتاج إليهم غالبا للعصبية التي بها المدافعة، فكان مضطرا إلى إحسان ملكتهم وترك مراغمتهم، لئلا يختلّ عليه شأن عصبيّته، فيكون فيها هلاكه وهلاكهم. وسياسة الملك والسلطان تقتضي أن يكون السائس وازعا بالقهر، وإلّا لم تستقم سياسته. (مقد 2، 517، 4)
-السياسة والملك هي كفالة للخلق وخلافة للّه في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم؛ وأحكام اللّه في خلقه وعباده إنما هي بالخير ومراعاة المصالح كما تشهد به الشرائع؛ وأحكام البشر إنما هي من الجهل والشيطان بخلاف قدرة اللّه سبحانه وقدره، فإنه فاعل للخير والشرّ معا ومقدّرهما إذ لا فاعل سواه. فمن حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرة وأونست منه خلال الخير المناسبة لتنفيذ أحكام اللّه في خلقه فقد تهيّأ للخلافة في العباد وكفالة الخلق، ووجدت فيه الصلاحية لذلك. (مقد 2، 505، 5)
-السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره. إلا أن الحاجة في أول الدولة إلى السيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم أشدّ من الحاجة إلى القلم؛ لأن القلم في تلك الحال خادم فقط منفّذ للحكم السلطاني؛ والسيف شريك في المعونة. وكذلك في آخر الدولة حيث تضعف عصبيتها ... ويقلّ أهلها بما ينالهم من الهرم الذي قدّمناه، فتحتاج الدولة إلى الاستظهار بأرباب السيوف وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدولة، والمدافعة عنها، كما كان الشأن أول الأمر في تمهيدها. فيكون للسيف مزية على القلم في الحالتين، ويكون أرباب السيف حينئذ أوسع جاها وأكثر نعمة وأسنى إقطاعا. وأما في وسط الدولة فيستغني صاحبها بعض الشي ء عن السيف لأنّه قد تمهّد أمره، ولم يبق همّه إلا في تحصيل ثمرات الملك من الجباية والضبط ومباهاة