بالزيادة في ألقاب المكوس إن كان قد استحدث من قبل، وتارة بمقاسمة العمّال والجباة وامتكاك عظامهم، لمّا يرون أنّهم قد حصلوا على شي ء طائل من أموال الجباية لا يظهره الحسبان، وتارة باستحداث التجارة والفلاحة للسلطان على تسمية الجباية، لمّا يرون التجار والفلاحين يحصلون على الفوائد والغلّات مع يسارة أموالهم، وأنّ الأرباح تكون على نسبة رءوس الأموال. فيأخذون في اكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله في شراء البضائع والتعرّض بها لحوالة الأسواق، ويحسبون ذلك من إدرار الجباية وتكثير الفوائد، غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعدّدة. (مقد 2، 733، 6)
-إنّ معنى التجارة تنمية المال بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأغلى من ثمن الشراء، إمّا بانتظار حوالة الأسواق أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى، أو بيعها بالغلاء على الآجال. وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير. إلّا أنّ المال إذا كان كثيرا عظم الربح، لأنّ القليل في الكثير كثير.
ثم لا بدّ في محاولة هذه التنمية الذي هو الربح من حصول هذا المال بأيدي الباعة بشراء البضائع وبيعها وتقاضي أثمانها.
وأهل النّصفة قليل؛ فلا بدّ من الغشّ والتطفيف المجحف بالبضائع، ومن المطل في الأثمان المجحف بالربح، كتعطيل المحاولة في تلك المدّة وبها نماؤه، ومن الجحود والإنكار المسحت لرأس المال إن لم يتقيّد بالكتاب والشهادة. وغناء الحكام في ذلك قليل، لأن الحكم إنّما هو على الظاهر فيعاني التاجر من ذلك أحوالا صعبة، ولا يكاد يحصل على ذلك التافه من الربح إلّا بعظم العناء والمشقّة، أو لا يحصل أو يتلاشى رأس ماله. فإن كان جريئا على الخصومة، بصيرا بالحسبان، شديد المماحكة، مقداما على الحكّام، كان ذلك أقرب له إلى النّصفة بجراءته منهم ومماحكته؛ وإلّا فلا بدّ له من جاه يدّرع به، يوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكام على إنصافه من معامليه، فيحصل له بذلك النّصفة في ماله طوعا في الأول وكرها في الثاني. وأما من كان فاقدا للجراءة والإقدام من نفسه فاقد الجاه من الحكام فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتجارة، لأنّه يعرّض ماله للضياع والذهاب ويصير مأكلة للباعة، ولا يكاد ينتصف منهم لأنّ الغالب في الناس، وخصوصا الرعاع والباعة، شرهون إلى ما في أيدي الناس سواهم، متوثبون عليه؛ ولو لا وازع الأحكام لأصبحت أموال الناس نهبا. (مقد 2، 928، 6)
-إن تحصيل الرزق وكسبه: إما أن يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمّى مغرما وجباية؛ وإما أن يكون من الحيوان الوحشي