القبط القائمين على ديوان الحسبان والجباية لاختصاصهم بذلك في مصر منذ عصور قديمة. وقد يوليها السلطان بعض الأحيان لأهل الشوكة من رجالات الترك أو أبنائهم على حسب الداعية لذلك.
(مقد 2، 674، 8)
-قد عرف وثبت أنّ الواحد من البشر غير مستقلّ بتحصيل حاجاته في معاشه، وأنّهم متعاونون جميعا في عمرانهم على ذلك.
والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تسدّ ضرورة الأكثر من عددهم أضعافا.
فالقوت من الحنطة مثلا لا يستقلّ الواحد بتحصيل حصّته منه. وإذا انتدب لتحصيله الستة أو العشرة من حدّاد ونجّار للآلات وقائم على البقر وإثارة الأرض وحصاد السنبل وسائر مؤن الفلح، وتوزعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا، وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت، فإنّه حينئذ قوت لأضعافهم مرّات. فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم.
فأهل مدينة أو مصر إذا وزّعت أعمالهم كلّها على مقدار ضروراتهم وحاجاتهم اكتفي فيها بالأقلّ من تلك الأعمال، وبقيت الأعمال كلّها زائدة على الضرورات فتصرف في حالات الترف وعوائده وما يحتاج إليه غيرهم من أهل الأمصار ويستجلبونه منهم بأعواضه وقيمه، فيكون لهم بذلك حظ من الغنى ... والمكاسب إنّما هي قيم الأعمال، فإذا كثرت الأعمال كثرت قيمها بينهم فكثرت مكاسبهم ضرورة، ودعتهم أحوال الرّفه والغنى إلى الترف وحاجاته من التأنّق في المساكن والملابس واستجادة الآنية والماعون واتخاذ الخدم والمراكب. وهذه كلها أعمال تستدعى بقيمها ويختار المهرة في صناعتها والقيام عليها. فتنفق أسواق الأعمال والصنائع ويكثر دخل المصر وخرجه، ويحصل اليسار لمنتحلي ذلك من قبل أعمالهم ومتى زاد العمران زادت الأعمال ثانية، ثم زاد الترف تابعا للكسب وزادت عوائده وحاجاته، واستنبطت الصنائع لتحصيلها، فزادت قيمها، وتضاعف الكسب في المدينة لذلك ثانية، ونفقت سوق الأعمال بها أكثر من الأول.
وكذا في الزيادة الثانية والثالثة، لأنّ الأعمال الزائدة كلها تختصّ بالترف والغنى بخلاف الأعمال الأصليّة التي تختصّ بالمعاش. (مقد 2، 871، 13)
حاجيّ وكماليّ
-اعلم أنّ الأسواق كلّها تشتمل على حاجات الناس، فمنها الضروريّ وهي الأقوات من الحنطة وما في معناها كالباقلاء والبصل والثوم وأشباهه، ومنها الحاجيّ والكمالي مثل الأدم والفواكه والملابس والماعون والمواكب وسائر المصانع والمباني. فإذا استبحر المصر وكثر ساكنه رخصت أسعار الضروريّ من القوت وما في معناه، وغلت أسعار الكمالي من الأدم والفواكه وما يتبعها.