فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 1207

العمران وكثرة الرّفه في أهلها. وذلك كله إنما يجي ء من قبل الدولة. لأنّ الدولة تجمع أموال الرعيّة وتنفقها في بطانتها ورجالها، وتتّسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتّساعها بالمال فيكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخروجها في أهل الدولة ثم فيمن تعلّق بهم من أهل المصر، وهم الأكثر. فتعظم لذلك ثروتهم، ويكثر غناهم، وتتزيّد عوائد الترف ومذاهبه، وتستحكم لديهم الصنائع في سائر فنونه ..

وهذه هي الحضارة. (مقد 2، 883، 17)

-الملك والدولة غاية للعصبية، وأن الحضارة غاية للبداوة، وأن العمران كله من بداوة وحضارة وملك وسوقة له عمر محسوس، كما أن للشخص الواحد من أشخاص المكوّنات عمرا محسوسا. وتبيّن في المعقول والمنقول أن الأربعين للإنسان غاية في تزايد قواه ونموّها، وأنه إذا بلغ سن الأربعين وقفت الطبيعة عن أثر النشوء والنموّ برهة، ثم تأخذ بعد ذلك في الانحطاط. فلتعلم أن الحضارة في العمران أيضا كذلك. لأنه غاية لا مزيد وراءها. وذلك أن الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة والتخلّق بعوائدها.

والحضارة كما علمت هي التفنّن في الترف واستجادة أحواله. والكلف بالصنائع التي تؤنّق من أصنافه وسائر فنونه من الصنائع المهيّئة للمطابخ أو الملابس أو المباني أو الفرش أو الآنية ولسائر أحوال المنزل.

وللتأنّق في كل واحد من هذه صنائع كثيرة لا يحتاج إليها عند البداوة وعدم التأنّق فيها. وإذا بلغ التأنّق في هذه الأحوال المنزلية الغاية تبعه طاعة الشهوات، فتتلوّن النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها:

أما دينها فلاستحكام صبغة العوائد التي يعسر نزعها؛ وأما دنياها فلكثرة الحاجات والمئونات التي تطالب بها العوائد ويعجز الكسب عن الوفاء بها. (مقد 2، 888، 3) - الحضارة هي سن الوقوف لعمر العالم في العمران والدولة. (مقد 2، 893، 1)

-الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد. لأن الإنسان إنما هو إنسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك.

والحضري لا يقدر على مباشرته حاجاته، إما عجزا لما حصل له من الدعة، أو ترفعا لما حصل له من المربى في النعيم والترف، وكلا الأمرين ذميم. وكذلك لا يقدر على دفع المضار بما فقد من خلق البأس بالترف والمربى في قهر التأدّب والتعليم؛ فهو لذلك عيال على الحامية التي تدافع عنه. ثم هو فاسد أيضا في دينه غالبا بما أفسدت منه العوائد وطاعتها وما تلوّثت به النفس في ملكاتها ... ، إلا في الأقل النادر. وإذا فسد الإنسان في قدرته ثم في أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة. وبهذا الاعتبار كان الذين يربّون في جند السلطان على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت