والحاجة ورياشا ومتموّلا إن زادت على ذلك. ثم إن ذلك الحاصل أو المقتنى إن عادت منفعته على العبد وحصلت له ثمرته من إنفاقه في مصالحه وحاجاته سمّي ذلك رزقا. قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت» (البخاري، الأدب المفرد، باب هل يفلى أحد رأس غيره، ح 953، ص 328 - 329، بلفظ: « ... فإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو أعطيت فأمضيت، وسائره لمواليك ... ) . وإن لم ينتفع به في شي ء من مصالحه ولا حاجاته فلا يسمّى بالنسبة إلى المالك رزقا؛ والمتملّك منه حينئذ بسعي العبد وقدرته يسمّى كسبا؛ وهذا مثل التراث فإنّه يسمّى بالنسبة إلى الهالك كسبا ولا يسمّى رزقا، إذ لم يحصل به منتفع، وبالنسبة إلى الوارثين متى انتفعوا به يسمّى رزقا. هذا حقيقة مسمّى الرزق عند أهل السنّة. (مقد 2، 907، 8)
-اعلم أنّ الكسب إنّما يكون بالسعي في الاقتناء والقصد إلى التحصيل. فلا بدّ في الرزق من سعي وعمل ولو في تناوله وابتغائه من وجوهه. (مقد 2، 907، 16)
-اعلم أنّه إذا فقدت الأعمال أو قلّت بانتقاص العمران تأذّن اللّه برفع الكسب.
ألا ترى إلى الأمصار القليلة الساكن كيف يقلّ الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلّة الأعمال الإنسانيّة. وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع أحوالا وأشدّ رفاهية ... ومن هذا الباب تقول العامّة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنّها قد ذهب رزقها. حتى إن الأنهار العيون ينقطع جريها في القفر؛ لما أنّ فور العيون إنّما يكون بالإنباط والامتراء الذي هو بالعمل الإنساني، كالحال في ضروع الأنعام. فما لم يكن إنباط ولا امتراء نضبت وغارت بالجملة، كما يجفّ الضّرع إذا ترك امتراؤه. وانظره في البلاد التي تعهد فيها العيون لأيّام عمرانها ثم يأتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنّها لم تكن. (مقد 2، 909، 6)
-اعلم أنّ المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرزق والسعي في تحصيله، وهو مفعل من العيش. كأنّه لمّا كان العيش الذي هو الحياة لا يحصل إلّا بهذه جعلت موضعا له على طريق المبالغة. ثم إن تحصيل الرزق وكسبه: إمّا أن يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمّى مغرما وجباية. وإمّا أن يكون من الحيوان الوحشي باقتناصه وأخذه برميه من البر أو البحر ويسمّى اصطيادا؛ وإمّا أن يكون من الحيوان الداجن باستخراج فضوله المنصرفة بين الناس في منافعهم كاللبن من الأنعام والحرير من دوده والعسل من نحله؛ أو يكون من النبات في الزرع والشجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته، ويسمّى هذا كله فلحا؛ وإمّا أن يكون الكسب من الأعمال الإنسانيّة؛ إمّا في موادّ معيّنة وتسمّى الصنائع من كتابة ونجارة وخياطة وحياكة وفروسية وأمثال ذلك، أو في موادّ غير