فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 1207

بل تغور في أبعادها وأسبابها، وتتحقّق من ذلك بعد التحقّق من وقوعها. وكل هذا يمثّل نزعة تجريبية واقعية يستعمل فيها العقل معيارا للحكمة كما ورد، وجمّاعا بين الأشياء، يراها بتسلسلها ويغوص أحيانا في أسبابها. ويقف هذا العقل أمام النص المصدر الأول الذي قال فيه ابن خلدون: «العلوم النقلية الوضعية- التي وضعها الشارع اللّه- هي كلّها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلّا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول» «1» .

كما وإن ما يركن إليه الإنسان بعقله يتمّ عبر استقبال الأحداث والاهتداء إليها، من غير إدخال الموجود العاقل في تكوين المعرفة لجهة البعد الإنساني في علاقته مع الأشياء. إن ابن خلدون قد دفع النظر إلى حدّ تمجيد العقل، لكن هذا العقل بقي فعلا نظريّا يستقبل النص والوقائع، ولم يسمح له أو لم تسمح له الحقبة التي عاش فيها بدفع العقل إلى الوعي بالذات وإحداث عالمه والمعارف، من خلال وعيه، وما يتبدّى له كإنسان عاقل تظهر له الأشياء في مواضع، ويضفي عليها من إنّيته العاقلة العارفة في مواضع أخرى. وهذا المنحى ينقل الباحث إلى منحى آخر يجعل العقل الخلدوني يقف عند حدود ما يتيحه العقل الجمّاع، من غير الإفساح في المجال لأن يتخطّى العقل معقوليته إلى المتعالي والمطلق، لأن مصدرهما جاهز.

وبهذين المنحيين يمثّل ابن خلدون النزعة العربية والإسلامية المعرفية.

فهو من جهة عقلي تجريبي تلقّى الوقائع وكشف عن سترها وجمعها، ولم يقول بها في بنيان معرفي ذاتي يضفي عليها إدراكه وتبدّياته. ومن جهة أخرى عقل الأشياء في حدود معيّنة، ووقف عند المطلق المتعالي لجاهزيته من خارج عقله. وهذان الاتّجاهان مثّلا الطابع المعرفي العربي أصدق تمثيل.

وإذ بابن خلدون يقف موقفا يبيّن فيه تهافت المعرفة العرفانية، ويأخذ بالمعرفة البرهانية آلة مساعدة لطابعه سابق الذكر. فيتلقّى منها ويستعين بها بقدر ما توازره في تمحيص الوقائع والخلاص منها بعبر ونتائج، فهو وعي يتذكّر

(1) المقدمة، 3/ 1026.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت