فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 1207

ويكوّن العبر من غير إيجاد صيغ جوهرية متجدّدة. إن ابن خلدون عقل التاريخ، وأدرك طبيعة العمران وقيام الدول، محاولا الوصول إلى الحكمة الكاملة أي «الصيرورة الفلسفية» ، ولكنه اصطدم بعقبة تمثّلت في عدم تنصيب الإنسان كفعل وعي مجدّد، كإبداع، كوضع مطلق من عندياته. لهذا كانت الدورة الخلدونية التاريخية دورة مغلقة: إنها الوقوع بالدور والعودة إلى الجذر في بنيان اللغة كأبعاد غير مفكّر بها.

لم نأت بجديد ربما في تقديمنا هذا، لأن ابن خلدون قد فعلت فيه تقليدا الدراسات المتعدّدة فعلها، وتناولته من شتّى الجوانب. لذا فإن ما هدفنا إليه هنا يكمن في إلقاء المزيد من الضوء على طبع مقدّمته العربي، وبيان خصوصيات هذا الطبع وتأثّره تأثّرا عميقا بالبنيان الثقافي العربي والإسلامي.

لقد ذكر ساطع الحصري أن عزلة ابن خلدون في قلعة ابن سلامة لهي من اللحظات الكبرى في تاريخ العقل البشري، والتي تعبّر عن أسرار وتحتاج إلى التعرّف بشكل أعمق وأغنى «1» . لقد أراد القول إن ابن خلدون بدأ بالتأمّل العقلي، إذ انتقل من المجرّب إلى المشاهد المتأمّل. وبهذا يكون التصوّر العقلي قد لعب دور التكثيف والتجميع لخلاصات التجربة. وإن القارئ للمقدّمة يعثر على جملة من مصطلحات تعبّر عن كثرة الأشياء التي يراها ابن خلدون وتنمّ عن مشاهداته، وتؤكّد ما رجّح من أنه يرى الوقائع كثرة منتشرة يجمعها بعقله. فلقد استخدم مثلا «الموجودات، الحادثات، المخلوقات، الواقعات، المكوّنات، الشخصيات» وكلها تعبّر ضمنيّا عن نظرته إلى الواقع.

من هنا أعتقد مرجّحا أن كل باحث رأى ابن خلدون من زاوية معيّنة:

ف «بوتول» ردّ نظرته إلى فلسفته الاجتماعية «2» ، بينما ردّها توينبي إلى فلسفة التاريخ الأصيلة في المقدّمة «3» . واعتبر سارطون أن المقدّمة مهّدت لأفكار سياسية واجتماعية عند مكيافللي وبودان وفيكو وكونت وغيرهم «4» . لكن

(1) الحصري، ساطع، دراسات في مقدمة ابن خلدون، القاهرة، 1961، ص 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت