فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 1207

الجميع أسقطوا قبليات ومواقف على الخلدونية، إذ تدخّلت الذات العارفة عندهم بما تحمله من أحكام وأبعاد تأويلية.

ولا بأس في تحليل بعض النماذج المؤيّدة لما ذهبنا إليه من عطاء ابن خلدون وهي:

1 -النزعة العقلية المتمثّلة بالنقد والمنهجية الدينية. وقد مثّل النقد نموذجا من النهج التجريبي لأنه اعتمد صدق الواقعات، أي مطابقة الأخبار التاريخية للأحداث الواقعة. ودارت المنهجية الدينية في قياس الغائب على الشاهد، والتسلّح بطريقة الجرح والتعديل المتعلّقة بأقوال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم. قال ابن خلدون: «إنّ الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرّد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم والحيد عن جادة الصدق» .

«و كثيرا ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثّا أو ثمينا، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ... » «1» .

ومن نماذج المنهجية الدينية التي تأثّر بها ابن خلدون علاقة التناسب، المسمّاة في أقيسة أصول الفقه: المناسب والمؤثر والمشابه إلخ ... وقد طبّق المناسب على الواقعات القائمة نافيا إمكانية معرفة الواقعات المستقبلية، أي التوقّع لأنه غيب. وهذا نموذج لواقعيته العقلية وسمة من سمات المنهج العربي التجريبي العقلي، قال في هذا الصدد: «إن التناسب بين الأمور هو الذي يخرج مجهولها من معلومها. وهذا إنما هو في الواقعات الحاصلة في الوجود أو العلم. وأما الكائنات المستقبلة إذا لم تعلم أسباب وقوعها ولا يثبت لها خبر صادق عنها، فهو غيب لا يمكن معرفته» .

وقد عبّرنا صيف نصّار عن ما يمكن استنتاجه في هذا المنحى الخلدوني

(1) المقدمة، 1/ 291.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت