بخلاصة مؤدّاها: إن فكر ابن خلدون لم يتبنّ النظر المجرّد الخالص، والإنسان عاجز عن تجاوز أفق الطبيعة والكائنات الحسّية في الفكر أو به.
وإن الفكر يطلب معقولية متناسبة بين الأشياء المادية، فالتجربة محورها الواقعات، والفكر وجهه الحكم الذي يوحّد الواقعات «1» . إن ما يهمّنا من كل ما سبق بيان أثر الخاصية العربية في الاعتماد على المجرّب ورؤية الواقعات حادثات متبعثرة، وأن المرجعية الدينية فعلت فعلها في بنيان الفكر لجهة إدراك الواقعات عند ابن خلدون.
2 -الاتجاه التاريخي المتمثّل بمعرفة الوقائع وما يرتبط بها من مظاهر النشاط الإنساني. لقد اتّجه ابن خلدون تبعا لتجربته إلى تلمّس الواقعات التاريخية والتعرّف عليها من غير أن يعتمد الأسبقية الفكرية لتنظيم معرفته، ومن دون أن يكتفي بقول المؤرّخين والإيراد النقلي للأحداث بعيدا عن النقد والتمحيص. فعمله الفكري تجلّى في النقد والتمحيص. وقد استعار هذا المنحى الأخير من طريقتي السبر والتقسيم والجرح والتعديل على الأرجح.
أما اتّجاهه إلى تلمّس الواقعات فكان متميّزا. إن الوقائع التاريخية بنظره واقعات مفردة هي أشبه ما يكون بالذرّات، والواقعة تقابل الجوهر الفرد، فالبعد كلامي عربي. لكن جديد ابن خلدون على هذا الإدراك للوقائع أن الناظر إليها ظاهريّا يراها واقعة أو ذاتا حادثة مستقلّة لها خصائصها. أما إذا نظر إليها في تعمّق، أي نظرة الباطن للأمور، لعلم كنهها وأسبابها وكيفيات حدوثها. فالرؤية هنا فلسفية رشدية تجعل للحوادث أسبابا على نهج انتظام الطبيعة بنظم وتماسك، منعا من التفلّت والفوضى. وإن الأسباب ضرورية في الأشياء الحادثة في الزمن. التاريخ حسب ابن خلدون: «لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول. تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال وتطرف بها الأندية إذ غصّها الاحتفال وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تغلّبت بها الأحوال واتّسع للدول فيها النطاق والمجال وعمروا الأرض، حتى نادى بها الارتحال وحان منهم الزوال. وفي باطنه نظر وتحقيق
(1) نصّار، ناصيف، الفكر الواقعي عند ابن خلدون، بيروت، دار الطليعة، 1981 م، ص 120 - 121.